الصين والعالم.. حين تتحول المعرفة إلى جسر للتنمية
ناصر بن حمد العبري ** تتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لم تعد قوة الدول تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية أو إمكانات مالية فحسب، بل أصبحت قدرتها على إنتاج المعرفة وتبادلها وتوظيفها في خدمة المجتمع أحد أهم معايير التقدم والازدهار. ومن هذا المنطلق، تبرز التجربة الصينية في التعاون التعليمي والتنموي مع الدول النامية بوصفها موضوعًا يستحق القراءة والتحليل، خصوصًا في ظل البحث الدولي عن مسارات جديدة للتنمية تقوم على بناء الإنسان وتعزيز القدرات الوطنية وتوسيع مجالات الشراكة بين الشعوب. ويأتي كتاب «نهج الصين: الممارسات العالمية»، الصادر عن جامعة بكين بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب، ليقدم صورة عن جانب من هذه التجربة من خلال شهادات 42 خريجًا ينتمون إلى 25 دولة نامية، استعرضوا فيها تجاربهم وما اكتسبوه من معارف وخبرات خلال دراستهم في الصين، وكيف حاولوا توظيفها في مجالات عملهم، بدءًا من الإدارة العامة والتخطيط الاقتصادي، وصولًا إلى التجارة والبنية الأساسية والتحول الرقمي. ولا تكمن أهمية هذه التجارب في تنوع البلدان التي يمثلها أصحابها فحسب، وإنما في السؤال الذي تطرحه بشأن العلاقة بين التعليم والتنمية. فالحصول على المعرفة يمثل خطوة أولى في طريق التغيير، لكنه لا يضمن وحده تحقيق النتائج المنشودة، ما لم تتوافر بيئة مؤسسية قادرة على تحويل الأفكار إلى برامج عملية، والاستفادة من الخبرات في تطوير الأداء ومعالجة التحديات. لقد شهدت العقود الماضية توسعًا كبيرًا في حركة التجارة والاستثمار وانتقال التكنولوجيا بين الدول، إلا أن هذه التحولات لم تؤدِّ بالضرورة إلى توزيع متكافئ لفرص التنمية. فما زالت دول عديدة تواجه تحديات تتعلق بضعف القدرات المؤسسية، ومحدودية الموارد، والحاجة إلى تطوير الإدارة العامة ورفع كفاءة الخدمات. ولذلك، أصبح التعاون المعرفي أحد المسارات المهمة التي يمكن أن تساعد هذه الدول على الاستفادة من تجارب الآخرين، دون التخلي عن خصوصيتها أو تجاهل ظروفها الوطنية. وفي هذا السياق، تقدم التجربة الصينية مجالًا واسعًا للدراسة، بالنظر إلى التحولات التي شهدتها البلاد في الاقتصاد والبنية الأساسية والتعليم والتكنولوجيا والابتكار. غير أن التعامل مع هذه التجربة ينبغي أن ينطلق من فهم الظروف التي أسهمت في نجاحها، لا من افتراض إمكانية نقلها كاملة إلى دول أخرى. فلكل مجتمع تركيبته الاقتصادية والاجتماعية، ولكل دولة أولوياتها وإمكاناتها، وما يصلح في بيئة معينة قد يحتاج إلى تعديلات جوهرية قبل تطبيقه في بيئة مختلفة. وتتضح هذه الفكرة في الشهادات التي يتضمنها الكتاب، ومنها تجربة الباكستاني فريد غلام، الذي يستفيد من أدوات تحليل السياسات والإحصاء في عمله بقطاع النقل، وتجربة خين مار آي من ميانمار، التي تنظر إلى الخبرة الصينية باعتبارها فرصة للتعلم والاستفادة. وتكشف هذه النماذج عن أهمية نقل المعرفة من الإطار الأكاديمي إلى الممارسة المهنية، لكنها تفتح في الوقت ذاته بابًا للنقاش حول مدى قدرة هذه الخبرات على إحداث تغيير مؤسسي مستدام بعد عودة الخريجين إلى بلدانهم. وهنا تبرز المسألة الأكثر أهمية في تقييم برامج التعاون والتدريب؛ إذ لا ينبغي أن يتوقف الحكم على نجاحها عند عدد المشاركين أو تنوع جنسياتهم أو اتساع شبكة علاقاتهم، بل يجب أن يمتد إلى ما تحقق فعليًا على أرض الواقع. فهل أسهمت الخبرات المكتسبة في تطوير سياسات عامة؟ وهل ساعدت في تحسين الخدمات أو رفع كفاءة المؤسسات أو تعزيز الإنتاجية؟ وهل استمرت النتائج بعد مرور سنوات على انتهاء البرامج التعليمية؟ إنَّ الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب متابعة جدية لمسارات الخريجين المهنية، وتوثيق المشروعات التي شاركوا فيها، وقياس النتائج التي تحققت، مع التمييز بين أثر التدريب والعوامل الأخرى المؤثرة في التنمية. كما أن نشر التجارب التي واجهت صعوبات لا يقل أهمية عن إبراز قصص النجاح، لأن فهم العقبات يساعد على تطوير البرامج وتحديد الشروط اللازمة للاستفادة من الخبرات الدولية. ولا تنفصل هذه القضية عن التوجهات الأوسع للتعاون الدولي، بما فيها المبادرات العالمية الأربع التي طرحها الرئيس الصيني شي جينبينغ، والمتعلقة بالتنمية والأمن والحضارة والحوكمة العالمية. إذ يمكن للتعاون الأكاديمي وبناء القدرات وتبادل الخبرات أن يسهم في تعزيز التواصل بين الدول وتوسيع فرص التفاهم، كما يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام مشاركة البلدان النامية في صياغة حلول للتحديات المشتركة. غير أن ترجمة هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة تظل مرتبطة بمدى تحقق المصالح المتبادلة، وقدرة الشراكات على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للمجتمعات. ومن هنا.. فإن الدبلوماسية المعرفية تمثل جانبًا مهمًا من العلاقات الدولية الحديثة؛ فالعلاقات التي تنشأ بين الطلاب والباحثين والمسؤولين خلال البرامج التعليمية قد تتحول إلى جسور للتعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي في المستقبل. لكن استدامة هذه الجسور تتطلب أن يكون تبادل المعرفة عملية متكافئة، تتيح لكل طرف تقديم خبراته والاستفادة من تجارب الطرف الآخر، بعيدًا عن النظرة التي تجعل دولة واحدة مصدرًا وحيدًا للحلول. وبعد مرور 10 سنوات على تأسيس معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب، تبدو التجربة فرصة لإعادة التفكير في الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الأكاديمية في دعم التنمية الدولية. فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى توسيع برامج التدريب وحدها، بل إلى تعزيز آليات تقييم نتائجها، وبناء شبكات مهنية فاعلة بين الخريجين، وربط المعرفة المكتسبة بالمشروعات والسياسات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة. إنَّ الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من كتاب «نهج الصين: الممارسات العالمية» هو أن التنمية لا تتحقق بمجرد الاطلاع على تجارب ناجحة، بل تبدأ عندما تمتلك الدول القدرة على فهم تلك التجارب وتكييفها وتطوير حلول تنسجم مع احتياجاتها. فالمعرفة التي لا تجد طريقها إلى التطبيق تبقى فرصة غير مكتملة، والخبرة التي لا تتحول إلى أثر مستدام تظل محدودة النتائج مهما كانت قيمتها العلمية. وفي نهاية المطاف، لا تكمن القيمة الحقيقية للتعاون بين الصين والدول النامية في عدد البرامج التعليمية أو حجم اللقاءات الأكاديمية، وإنما في قدرته على بناء الإنسان وتعزيز كفاءة المؤسسات وفتح آفاق جديدة أمام التنمية. وعندما تصبح المعرفة أداة لتحسين حياة الناس، وتطوير الخدمات، وتوسيع الفرص الاقتصادية، فإنها تتجاوز حدود التعليم لتصبح قوة حقيقية لصناعة المستقبل. وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به التجارب التنموية، مهما اختلفت البلدان التي تنطلق منها أو المسارات التي تسلكها. ** صحفي وباحث في الشؤون الصينية
المصدر: الرؤية