منيف عقل زيد... سائق الترامواي الذي يحمل في ذاكرته بيروت الستينيات (فيديو)
"كان الواقف يدفع خمسة قروش، أمّا من أراد الجلوس فكان عليه أن يدفع عشرة". تفصيل صغير من ذاكرة العم منيف عقل زيد، لكنه يكفي لإعادة عقارب الزمن إلى بيروت، حين كانت عربات الترامواي تجوب شوارعها، وتنقل الركاب بين محطاتها، قبل أن تصبح هذه المشاهد جزءاً من تاريخ المدينة.
اليوم، يبلغ منيف 96 عاماً، لكن ذاكرته لا تزال تحتفظ بتفاصيل مهنة مارسها في شبابه، حين كان سائقاً للترامواي في بيروت بين عامي 1950 و1957. يستعيد تلك السنوات وكأنه لم يغادر مقعد الذكريات، مستحضراً طبيعة العمل، واللباس المخصّص للسائقين، وحتى الأجر الذي كان يتقاضاه مقابل ساعات طويلة من الوقوف.
"كنا نقبض على الساعة نصف ليرة، ونشتغل ثماني ساعات"، يقول منيف لـ"النهار"، مشيراً إلى أنه كان يرتدي بدلة مخصّصة للسائقين. لم تكن المهنة سهلة، فالسائق كان يقضي ساعات دوامه واقفاً، من دون مقعد يستريح عليه، ومن دون مقود كما في السيارات الحديثة.
View this post on Instagram
أما التحكم بالترامواي، فكان يعتمد على آلية مختلفة تماماً. يشرح منيف أن المكابح كانت عبارة عن دولاب موصول بسلسلة، يحرّكه السائق بلفّات متتالية حتى تتمكن العربة من التوقف. تفاصيل تقنية قد تبدو غريبة لجيل اعتاد وسائل النقل الحديثة، لكنها كانت جزءاً من يوميات العمل آنذاك.
ولم تكن تجربة الركوب واحدة للجميع. فإلى جانب المقاعد العادية، كانت هناك مقاعد مخصّصة لمن يرغب في رحلة أكثر راحة، عُرفت باسم "بريمو". كان الراكب يدفع خمسة قروش إذا أراد الوقوف، فيما ترتفع الأجرة إلى عشرة قروش لمن يفضّل الجلوس في تلك المقاعد.
ومن بين التفاصيل التي يستعيدها منيف، محطات الترامواي التي كانت تشكّل علامات مألوفة في بيروت. يبدأ حديثه بمحطة الدورة، ثم يستحضر محطة خوري ومحطة "بلي كاربوس"، وصولاً إلى جسر نهر بيروت. حتى أسماء الأماكن لم تسلم من تبدّل الزمن؛ إذ يلفت إلى أن ساحة رياض الصلح لم تكن تُعرف بهذا الاسم في السابق، بل كان الناس يسمّونها "الهول".
لكن ما يثير اهتمام منيف اليوم لا يقتصر على شكل العربات أو طريقة تشغيلها، بل يمتد إلى الناس والأجواء التي كانت ترافق تلك المرحلة. حين يتحدث عن الماضي، يعود مراراً إلى السؤال نفسه: لماذا كان الناس أكثر سعادة في تلك الأيام؟
ربما لا يجد منيف إجابة واحدة عن سؤاله، لكنه يتحدث عن زمن لا يزال حاضراً في ذاكرته، وعن بيروت التي عرفها شاباً، حين كانت تفاصيل الحياة اليومية مختلفة، وكانت شوارع المدينة تحمل إيقاعاً آخر.
في السادسة والتسعين، لا يزال الرجل قادراً على استحضار رحلات الترامواي ومحطاته، وأدق تفاصيل عمله، ويقول إنه لا يتناول أي دواء. أما الترامواي، الذي كان جزءاً من يوميات بيروت، فلم يبقَ منه في ذاكرة المدينة سوى الصور والروايات وشهادات من عاشوا زمنه.
ومن بين تلك الشهادات، يقف منيف عقل زيد شاهداً على مرحلة لم تعد موجودة، لكنه لا يزال قادراً على إعادة الحياة إليها بكلماته، وكأن صفارة الترامواي لم تتوقف تماماً عن الرنين في ذاكرته.
المصدر: النهار