شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

نتفليكس تفتح جراح ماثيو بيري.. هل أنصف الوثائقي إرثه أم تاجر بآلامه؟

نتفليكس تفتح جراح ماثيو بيري.. هل أنصف الوثائقي إرثه أم تاجر بآلامه؟

لم تكن غاية المخرجة ماري روبرتسون في السلسلة الوثائقية "The One About Matthew Perry" على "نتفليكس"، تقديم مرثية هوليوودية معلبة تستدر عواطف محبي مسلسل "أصدقاء" Friends، بل سعت بجرأة نحو تفكيك سردية معقدة وموجعة، تضع ثنائية "الكوميديا والمأساة" تحت مجهر التشريح السوسيولوجي والنفسي.

يُمثل هذا العمل الممتد ثلاث ساعات وثيقة بصرية قاسية، ترفض اختزال ماثيو بيري بشخصية "تشاندلر بينغ"، لتغوص في أعماق إنسان دفع ضريبة باهظة لمحاولته سد فراغ روحي مبكر ببريق شهرة لم يزده إلا خواءً.

لقطة من الوثائقي (نتفليكس)


تشاندلر بينغ... الدرع الواقية والظل الثقيل

تنجح السلسلة في حلقاتها الأولى في بناء سياق نفسي عميق للأزمة. لم يكن إدمان بيري مجرد انحراف سلوكي طارئ، بل كان امتداداً لشعور مبكر بالعزلة والتشتت الأسري. وتكشف المعالجة النقدية للوثائقي كيف تحولت الكوميديا إلى آلية دفاعية متجذرة؛ فدعاؤه المتكرر في مراهقته بأن يمنحه الله الشهرة في مقابل أي شيء، يتردد كصدى تراجيدي طوال العمل.

الأكثر إيلاماً في هذه المعالجة هو إدراك المشاهد أن شخصية "تشاندلر" التي منحت العالم بهجة لا تُنسى، كانت بمثابة قناع نجاة لبيري. سخريته الدائمة لم تكن سوى محاولة لتشتيت انتباه العالم عن اكتئابه العميق. وتُبرز ماري روبرتسون بذكاء كيف تحولت هذه الشهرة، وهذا الارتباط العضوي بالشخصية، إلى عبء ذهني قاهر، جعل بيري يعيش حالة من الاعتمادية المرضية على تصفيق الجمهور، مما مهّد الطريق لهروبه الحتمي نحو التخدير الكيميائي إثر إصابته العارضة في عام 1997.

ماثيو بيري في لقطة من الوثائقي (نتفليكس)


دحض وصمة الإدمان... وغياب نجوم Friends

من أهم النقاط المضيئة في العمل هو تمرّده على السردية الإعلامية الكلاسيكية التي تصم المدمنين بالضعف الأخلاقي أو انعدام الإرادة. يقدم الوثائقي أرقاماً وحقائق سريرية تصعق المتلقي: 7 ملايين دولار أُنفقت على العلاج، 15 مرحلة إعادة تأهيل، و64 عملية تطهير سموم. هذه البيانات لا تستعرض ثروة بيري، بل تبرهن عن شراسة الإدمان كمرض فيزيولوجي عصبي يقف المال عاجزاً أمامه.

ومن اللافت أن غياب نجوم Friends عن الإدلاء بشهاداتهم في الوثائقي، والذي قد يبدو للوهلة الأولى نقطة ضعف، تحول إلى قرارٍ إخراجي استراتيجي ذكي. لقد أفسح هذا الغياب المجال لصوت العائلة، وتحديداً أخته غير الشقيقة ميا بيري بويك، ولأصدقائه من مجتمع التعافي. هذه الشهادات الحميمة أضاءت على بيري "الإنسان"، المعطاء الذي آوى أصدقاءه المشردين في منزله، وكشفت عن ديناميكيات الغضب والتعاطف التي تعيشها عائلات المدمنين بعيداً من مثاليات الشاشات.

أبطال مسلسل فريندز (نتفليكس)


تحول درامي نحو الجريمة الواقعية

في ثلثه الأخير، يأخذ الوثائقي منعطفاً حاداً ومدروساً نحو التوثيق الجنائي، ليفكك ما يُعرف بـ"التمكين المؤسسي". يتتبع العمل سقوط المنظومة السامة التي استغلت ضعف بيري "الكيميائي"، بدءاً من أطباء انعدم ضميرهم (مثل د. سلفادور بلاسينسيا)، وصولاً إلى مساعده الشخصي كينيث إيواماسا، وشبكة تجارة "الكيتامين".

هذا التحول السردي كان ضرورياً لمحاكمة "النظام البيئي" لهوليوود، الذي لا يكتفي باستهلاك طاقة نجومه، بل يسمح بتكوين شبكات استغلالية تتربح من أمراضهم وهشاشتهم حتى الرمق الأخير. إن عرض التفاصيل القضائية والأحكام الفيدرالية الصارمة يضع المشاهد أمام حقيقة مرعبة: الثروة والشهرة قد تكونان، في غياب الحماية الأخلاقية، أسرع طريق نحو الموت.


الإرث الحقيقي... ما بعد الشاشة


يُختتم الوثائقي بتكريس الإرث الإيثاري المستدام لماثيو بيري، مؤكداً رغبته الصريحة في أن يُذكر بجهوده في مساعدة المدمنين قبل دوره في المسلسل الأيقوني. من خلال "مؤسسة ماثيو بيري"، يتحول بيري من ضحية لمآسي هوليوود إلى رمزٍ مناضل يسعى الى تحطيم الوصمة المجتمعية وتوفير العلاج للمهمشين.

في المحصلة، يتجاوز "The One About Matthew Perry" كونه مجرد سيرة ذاتية تلفزيونية؛ فهو قراءة نقدية حادة لثقافة الاستهلاك الجماهيري، ووثيقة بصرية شفافة تعيد الى المريض كرامته، وتذكرنا بأن خلف أعظم الضحكات، قد تختبئ أشرس معارك البقاء.

المصدر: النهار