شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

تغيير قواعد اللعب

تغيير قواعد اللعب

قضية الصحراء المغربية: من الصبر الاستراتيجي إلى تغيير قواعد اللعب خارج أروقة الأمم المتحدة

تتناول هذه الورقة البحثية التحولات التي شهدها ملف الصحراء المغربية، باعتبارها القضية الوطنية الأولى التي تختزل عقيدة السيادة الوطنية والعمق الاستراتيجي للمملكة وطنيا وإقليميا ودوليا. وقد اتسم التعامل المغربي مع هذا النزاع الإقليمي الذي تجاوز أكثر من 50 سنة، بمنطق الصبر الاستراتيجي وضبط النفس، التزاماً بالشرعية الدولية وحرصاً على الأمن والاستقرار الإقليميين. غير أن التطورات غير المسبوقة التي شهدها مسار الملف، لا سيما خلال شهر أكتوبر 2026 بأروقة مجلس الأمن، مهدت الطريق لبداية النهاية عبر الانتقال من مرحلة التدبير التقليدي والإيذان بالتأسيس لمحطة حاسمة تقضي بتغيير قواعد اللعب نهائياً، والخروج بالنزاع من أروقة الأمم المتحدة.

المحطات الكبرى للنزاع: من وقف إطلاق النار إلى أفق الحكم الذاتي

مرّ مسار تدبير ملف الصحراء بمحطات مفصلية عكست دائماً حسن نية المغرب وانخراطه الجاد في مسار التسوية الأممية، منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية سنة 1975، مع استحضار المرجعيات التاريخية ذات الصلة، حيث يمكن الوقوف تحديدا على:

محطة اتفاقية 1991 وإحداث “المينورسو”: شهدت انخرط المغرب في اتفاق وقف إطلاق النار ووافق على إحداث بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، متيحاً الفرصة للمجتمع الدولي لإيجاد حل سلمي عادل ومتوافق عليه.

مبادرة الحكم الذاتي 2007 : شكل تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 نقطة تحول كبرى، حيث وُصف أممياً ودولياً بأنه حل جدي، ذي مصداقية، وقائم على الواقعية والبراغماتية لتسوية النزاع في إطار الوحدة الترابية للمملكة. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة.

قرار مجلس الأمن (31 أكتوبر 2025) : اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797 ، الذي كرّس دعماً صريحاً لمبادرة الحكم الذاتي، ومدد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، في محاولة أممية لمواكبة التحولات الإيجابية الكبرى والدعم الدبلوماسي الدولي المتزايد لمغربية الصحراء.

منعرج أكتوبر 2026: الفيتو المتبادل وسقوط “المينورسو”

بلغ التدافع الدبلوماسي داخل مجلس الأمن ذروته في 30 أكتوبر 2026، حين اصطدمت الجهود الدولية بعقبة التجاذبات بين القوى العظمى؛ حيث تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع قرار يهدف إلى إحداث قطيعة مع الصيغ المتداولة وتغيير تسمية البعثة وهيكلتها، غير أن استخدام الفيتو الروسي قابله فيتو أمريكي مضاد ضد مشاريع القرارات البديلة، مما أدى إلى فشل التمديد لبعثة “المينورسو” ودخول المنطقة في فراغ مؤسساتي أممي. وبمنطق المخالفة Rraisonnement à contrario، أصبح القرار 2797 هو الوثيقة النهائية والتي تقضي بتدبير ملف الصحراء من منظور المبادرة المغربية للحكم الذاتي. الأمر الذي أصبح معه الرهان اليوم معقودا على اتخاذ التدابير الإجرائية ذات الصلة بالصيغة التنفيذية لتنزيل الحكم الذاتي ميدانيا.

– بلاغ الديوان الملكي: القطع مع الصبر الاستراتيجي وتغيير قواعد اللعب

على وقع عجز المنظومة الأممية عن فرض حل واقعي ومستدام لنزاع إقليمي يصنف من أقدم النزاعات الدولية بحكم تجاوزه خمسة عقود، جاء بلاغ الديوان الملكي لوضع حد للتأويلات والخروج من وضع اللايقين، من خلال حسم الموقف ببعد استراتيجي ومقاربة استشرافية ، معلنا القطع النهائي مع منظور الصبر الاستراتيجي الذي استنفذ أغراضه بسبب الجمود ومناورات الخصوم. وبمنطق القانون الدولي، أكد البلاغ على سحب الملف كلياً من أروقة الأمم المتحدة وتحديدا مجلس الأمن، كمرحلة أولى في انتظار اتخاذ خطوات مماثلة بشأن باقي الأجهزة الأممية الأخرى، إشارة إلى اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعنى بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار. واعتبار أن رهن الوحدة الترابية للمغرب بقرارات الأمم المتحدة أصبح غير ذي جدوى.

– السيناريوهات المحتملة لتدبير المخاطر واحتمالية اندلاع المواجهة

يفتح هذا المنعطف التاريخي الباب أمام مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتقاطع فيه سيناريوهات الحزم الدبلوماسي والميداني مع احتمالات التصعيد العسكري. ذلك أن طي صفحة الأمم المتحدة يعني تولي القوات المسلحة الملكية فرض السيطرة الميدانية في المنطقة العازلة وتأمين الحدود والمجالات الحيوية بمنطق السيادة الكاملة. غير أن سيناريو الاحتواء الإقليمي والفرض الواقعي يرجح مواصلة المغرب تكريس سيادته الميدانية ودبلوماسيته التنموية عبر تفعيل مبادراته الكبرى (كالمبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز) للربط بعمقه الإفريقي، متجاوزاً الإطار الأممي، ومستندا في المقابل إلى اعترافات دولية واسعة.

أما فيما يتعلق بسيناريو التصعيد العسكري، فإن أية محاولة من ميليشيات البوليساريو، بإيعاز من الحاضنة الإقليمية الجزائر، للمس بالسلم والاحترام التام لسلامة ووحدة الأراضي المغربية أو خرق الجدار الأمنـي أو المساس بالمناطق العازلة بعد غياب “المينورسو”، ستُعتبر بمثابة إعلان حرب شاملة بالمنطقة. وهو سيناريو تتعامل معه المؤسسة العسكرية المغربية بأقصى درجات الجاهزية القتالية ضد أي تهديد للسلم والأمن القومي.

وبمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة، طوى المغرب صفحة الاستثمار في الحلول الأممية لأكثر من 35 سنة، خاصة منذ اتفاقية وقف إطلاق النار وإحداث البعثة الأممية “المينورسو”، معلناً أن سقف مبادرة الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية على منطقة الصحراء واقع لا رجعة فيه. وأن قواعد اللعب باتت تُصاغ في إطار التحالفات الإقليمية والدولية، والشرعية التاريخية، وتدابير التنزيل والأجرأة التنفيذية لمقتضيات الحكم الذاتي وتحويله إلى مشروع مؤسساتي واضح، والاستعداد التام لحماية التراب الوطني بكل الخيارات المتاحة.

-أستاذ القانون الدولي والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط

The post تغيير قواعد اللعب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس