شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

دراسة: الذكاء الاصطناعى يهدد وظائف ويخلق أخرى.. ومصر بحاجة إلى ترشيد استيراد التكنولوجيا

دراسة: الذكاء الاصطناعى يهدد وظائف ويخلق أخرى.. ومصر بحاجة إلى ترشيد استيراد التكنولوجيا

حذرت دراسة للدكتور إبراهيم العيسوى، أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومى، من تداعيات الذكاء الاصطناعى على الوظائف، وارتفاع تكلفة التعليم والتدريب، واتساع فجوات الأجور، وهجرة الكفاءات التى بلغت ذروتها فى الأطباء، إلى جانب تراجع قدرة بعض المؤسسات الحكومية على تلبية احتياجاتها من العمالة، بسبب وقف التعيينات، وتعدد القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادى والعمالة، وسوء إدارة مشاريع كان من المتصور أن تؤثر إيجابا على الإنتاجية والعمالة مثل مشروع الروبيكى.أكد العيسوى أن التعامل مع هذه التحديات، ومع أخرى طرحها من قبل مثل العمل اللائق وعدم دقة حساب البطالة، يتطلب رؤية تنموية طويلة الأجل، لا تقتصر على التوسع فى استخدام التكنولوجيا أو التعويل على القطاع الخاص فى خلق الوظائف، وإنما تشمل تطوير القاعدة الإنتاجية، وتعميق الصناعة، وتحسين التعليم والبحث العلمى والتدريب، وضمان اتساق القواعد المؤسسية المنظمة للاقتصاد وسوق العمل.وأوضحت الدراسة أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعى وسوق العمل تتخذ مسارين أساسيين مباشر، وغير مباشر. فى المسار الأول، فإن استخدامات الذكاء الاصطناعى تؤدى بالفعل إلى الاستغناء عن بعض الوظائف، لكنها فى المقابل تخلق فرص عمل جديدة تتصل بتصميم النماذج وتشغيلها وتطوير البنية التحتية اللازمة لها.وأضافت أن هذه التكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن العمالة البشرية، إذ تتطلب أنشطة مرتبطة مثلا بصناعات التعدين وتجهيز الرمال البيضاء لإنتاج الرقائق الإلكترونية، فضلًا عن صناعات الطاقة والحاسبات، وإنشاء مراكز البيانات وقواعد المعلومات وصيانتها.ولفتت إلى أن الجدل بشأن المحصلة النهائية لتأثير الذكاء الاصطناعى على التوظيف لايزال قائمًا محليا وعالميا سواء فيما يتعلق بحجم الوظائف التى يمكن أن تختفى أو تلك التى ستنشأ نتيجة التحول التكنولوجى.كما طرحت تساؤلات بشأن قدرة السياسات العامة على توجيه الابتكار نحو التطبيقات التى تعزز دور الإنسان بدلًا من استبداله، مشيرة إلى أن هذه المهمة تواجه قيودًا حتى فى الدول المتقدمة المنتجة للتكنولوجيا، فى ظل هيمنة شركات كبرى تسعى إلى تعظيم أرباحها، وما يثيره التدخل الحكومى من مخاوف تتعلق بتقييد الابتكار.وبالنسبة لمصر والدول النامية، ترى الدراسة أن الأولوية تتمثل فى بناء قدرات محلية لإنتاج التكنولوجيا، مع ترشيد اختيار التطبيقات المستوردة بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد، وقدرته على توفير فرص العمل. وشددت على أهمية امتلاك معايير وكفاءات تسمح بتقييم التكنولوجيا واختيار الأنسب منها، بدلًا من تبنى التطبيقات المتاحة دون النظر إلى آثارها على التشغيل.وعلى المسار غير المباشر، تناولت الدراسة تأثير الذكاء الاصطناعى فى التعليم والتدريب، مشيرة إلى أن الدراسات المتعلقة بأداء الطلاب تكشف عن آثار إيجابية وأخرى سلبية لاستخدام هذه التطبيقات، لا تقتصر على التحصيل الدراسى، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والجسدية، خاصة مع الإفراط فى استخدامها.واستشهدت الدراسة باتجاه بعض الدول المتقدمة إلى فرض قيود على التحول الرقمى واستخدام التكنولوجيا فى المدارس، والعودة إلى أدوات تقليدية مثل الورقة والقلم والكتاب الورقى، مع التركيز على مهارات القراءة والكتابة والحساب.موضحا أن فنلندا والنرويج والسويد والدنمارك وهولندا وفرنسا اتجهت، بدرجات متفاوتة، إلى مراجعة استخدام التكنولوجيا فى التعليم، بما يعكس ضرورة تقييم آثارها بدلًا من افتراض أن التوسع الرقمى يمثل تقدمًا فى جميع الأحوال.وفى تقييمها لأوضاع سوق العمل التقليدية، تناولت الدراسة تجربة مدينة الجلود بالروبيكى، باعتبارها نموذجًا للفجوة بين أهداف المشروعات الصناعية وآليات تنفيذها.وأوضحت أن نقل المدابغ من منطقة سور مجرى العيون إلى الروبيكى قبل نحو عشر سنوات استهدف إنشاء مجمع صناعى حديث يراعى المعايير البيئية، ويحد من التلوث، ويساعد على تنظيم العمالة وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ورفع تنافسية صناعة الجلود والمنتجات الجلدية.لكن الدراسة، استنادًا إلى تقرير لمنظمة العمل الدولية صدر عام 2026 بناءً على دراسة ميدانية، أشارت إلى بطء التنفيذ واستمرار مشكلات تتعلق بأوضاع المنشآت والعمالة.ووفقًا للدراسة، انتقلت منشآت قديمة بمعداتها المتقادمة وأساليب تشغيلها التقليدية، دون تحقيق التطوير التكنولوجى والبيئى المستهدف، فيما استمرت مظاهر العمل غير الرسمى، إلى جانب مخاطر صحية وأمنية تواجه العمال، ونقص التدريب وغياب النقابات المدافعة عن حقوقهم. واعتبرت أن هذه التجربة تطرح ضرورة مراجعة كيفية تنفيذ المشروعات الصناعية، حتى لا تتحول الاستثمارات فى البنية التحتية إلى فرص ضائعة للتحديث ورفع الإنتاجية وتحسين ظروف العمل.وفى ملف التعليم، ربطت الدراسة بين ارتفاع النفقات التى تتحملها الأسر، وتراجع جودة بعض المؤسسات التعليمية، وصعوبة تطوير مهارات قوة العمل بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد.وأشارت إلى أن اتساع الاعتماد على الدروس الخصوصية، وتزايد دور التعليم الخاص، وارتفاع الرسوم فى عدد من المؤسسات الجامعية، أدت إلى زيادة الأعباء المالية على الأسر، خصوصًا الفقيرة والمتوسطة.كما لفتت إلى أن التعليم الفنى، الذى يمثل أحد المسارات الأساسية لتكوين عمالة ماهرة ومدربة، تعرض لتراجع فى الجودة، دون أن يقابله تحسن كافٍ فى منظومة التدريب الفنى والمهنى.وانتقدت الدراسة، كذلك، عدم الالتزام بالنسب التى حددها دستور 2014 للإنفاق على التعليم والبحث العلمى، وتوسع الجامعات الحكومية فى تحصيل الرسوم، فضلًا عن إنشاء جامعات أهلية بمصروفات مرتفعة، بما يثير تساؤلات حول تكافؤ فرص الحصول على التعليم.وحذرت من أن ارتفاع تكلفة التعليم قد يؤدى إلى خروج بعض الطلاب من المنظومة التعليمية أو عدم التحاقهم بها، فضلًا عن إضعاف قدرة العاملين على تطوير مهاراتهم ومواكبة التغيرات التكنولوجية، داعية إلى التعامل مع التعليم باعتباره قضية تنموية وأمنًا قوميًّا.وتطرقت الدراسة إلى ما يعرف بـ«فقر العمالة» الذى يتفاقم عندما تقترن الأجور المنخفضة بغياب مزايا أساسية، مثل التأمين الاجتماعى والصحى والسكن اللائق، بالتزامن مع اتساع الفجوات بين دخول العاملين فى المستويات الوظيفية المختلفة.وأشارت إلى نقص البيانات الموثوقة التى تسمح بقياس فقر العمالة والفوارق فى الأجور بدقة، لكنها نقلت عن بيانات متفرقة وتقديرات تقريبية أن ما يتقاضاه المدير التنفيذى قد يصل إلى 150 ضعف متوسط أجر العامل أو الموظف.ودعت إلى إعادة النظر فى سياسات الأجور والضرائب والضمان الاجتماعى، بما يحد من الفوارق ويحافظ على التماسك الاجتماعى.وفى السياق نفسه، حذرت من استمرار هجرة الأطباء المصريين إلى الخارج، مقدرة أن نسبتهم تتراوح بين 50% و60% من إجمالى الأطباء المسجلين بالنقابة، فى حين يبلغ عدد السكان لكل طبيب نحو 1162 نسمة، مقابل متوسط عالمى قدره 434 نسمة.وفيما يتعلق بالتشغيل الحكومى، رصدت الدراسة تحديات تواجه الجامعات ومراكز البحث والمرافق الخدمية نتيجة تجميد التعيينات، بالتزامن مع خروج قيادات إلى المعاش، بما يؤدى إلى اختلال الهياكل الوظيفية وتراجع كفاءة الأداء.وأشارت إلى أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى نحو 70 عامًا للذكور و75 عامًا للإناث يطرح تساؤلات بشأن الاستفادة من خبرات العاملين بعد سن الستين، إلى جانب الحاجة إلى مراجعة تجميد التعيينات فى الجهات التى تعانى نقصًا فى العمالة.كما انتقدت الدراسة التعويل على القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسى لخلق الوظائف، فى ظل استمرار احتياجات المدارس والجامعات والمستشفيات الحكومية إلى العاملين، مشددة على أن الدولة لا يمكنها التنصل من مسؤوليتها عن توفير الخدمات الأساسية.ودعت إلى إعادة تقييم الدور الإنتاجى للدولة، خصوصًا فى الصناعات الاستراتيجية مثل الحديد والصلب والآلات والمعدات والبتروكيماويات، مع الاستفادة من تجارب الدول الآسيوية التى حققت طفرات تنموية، وطرح تساؤلات حول قدرة القطاع الخاص المحلى على تحقيق مستهدف الاستراتيجية الوطنية للتشغيل بتوفير 1.4 مليون فرصة عمل بحلول عام 2030.

المصدر: المصري اليوم