شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من حقول الضبعة إلى مقابر الفيوم.. رحلة انتهت بالموت بحثا عن «لقمة العيش»

من حقول الضبعة إلى مقابر الفيوم.. رحلة انتهت بالموت بحثا عن «لقمة العيش»

فى الساعات الثقيلة التى تسبق الفجر، حين ينام الأطفال فى المدن على وسائد الدفء، خرج 34 من أبناء عزبتَى تادرس وأبوحجاب بمركز سنورس فى الفيوم، يحملون فى جيوبهم أملًا هزيلًا: 100 أو 150 جنيهًا مقابل يوم كامل من جمع البصل والثوم.. لم يكونوا عمالًا، بل كانوا أطفالًا لا تتجاوز أعمار بعضهم العاشرة، دفعهم الفقر إلى أن يستبدلوا حقائب المدرسة بأكياس الجنى، وطفولتهم بأجور يومية لا تكفى ثمن وجبة. الطفل الضحية أحمد رجب فى منزل واحد، ودّعت مودة محمد نصر (10 سنوات) أحلامها الصغيرة وخرجت مع شقيقتها رهف (13 سنة) لتقطفا البصل، عادت رهف جريحة إلى مستشفى 6 أكتوبر، وبقيت مودة صورة قديمة على الحائط لا تعرف العائلة غيرها، وفى منزل آخر، أصرّ أحمد رجب (9 سنوات) على الذهاب رغم توسلات أبيه: «لا أريد منك عملًا». خرج الطفل يخبئ وجهه عن والده، فرجع فى تابوت، أما «أم يوسف»، التى كانت تعدّ فستان زفاف ابنتها بعد 15 يومًا فقط، رحلت هى نفسها قبل أن ترى الفرحة، تاركة 7 أبناء يبكون أمًّا كانت شريكة الكفاح. محافظ الفيوم أثناء تقديم واجب العزاء هكذا انتهت رحلة العمل عند تقاطع الطريق الأوسطى بمحور الضبعة: تصادم ميكروباص وتريلا، و12 قبرًا جديدًا، وسرادقات عزاء بدل سرادقات الفرح. فقرٌ دفع الأطفال إلى الطريق، وطريقٌ أعادهم إلى التراب. الطفلة الضحية مودة الحادث وقع عند تقاطع الطريق الأوسطى مع محور الضبعة بمحافظة الجيزة، ما أسفر عن مصرع 12 بينهم أطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم 10 سنوات، وهم: «آية هانى كمال، 12 سنة، وآية محمد سيد عبدالحميد، 13 سنة، وسيف أحمد عيد، 12 سنة، ومودة محمد نصر، 10 سنوات، وآلاء عبد الهادى جودة، 12 سنة، وأحمد فرج حسين محمد، 12 سنة» لتتحول منازل القريتين إلى سرادقات عزاء.وكشفت أسر الضحايا عن ظروفهم المعيشية الصعبة التى دفعت أطفالًا إلى الخروج للعمل فى جمع المحاصيل الزراعية بمزارع بعيدة خلال أيام الإجازات الدراسية، بحثًا عن أجور يومية زهيدة تساعدهم فى مواجهة أعباء الحياة، ومن بين الضحايا طفلة فارقت الحياة بينما ترقد شقيقتها فى المستشفى، وأم رحلت قبل أيام من زفاف ابنتها.فى أحد منازل العزبة، كانت حكاية الطفلتين مودة محمد نصر وشقيقتها رهف، 13 سنة، تختصر جانبا من المأساة. خرجت الشقيقتان للعمل فى جمع البصل بمزارع الضبعة، على أمل الحصول على 100 جنيه لكل منهما، خلال يومى الجمعة والسبت، باعتبارهما إجازة من الدراسة.وقال أبومحمد، عم الطفلتين، 50 سنة، إنهما خرجتا برفقة عدد من زملائهما، واستقلوا الميكروباص فى نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل، متجهين إلى المزارع التى تبعد عن العزبة مسافة طويلة ولم تتخيل الأسرة أن تتحول رحلة العمل إلى النهاية المأساوية التى انتهت بمصرع مودة وإصابة رهف بإصابات خطيرة، نقلت على إثرها إلى مستشفى 6 أكتوبر، حيث ترقد تحت الرعاية الطبية.وأشار العم إلى أن الأسرة لا تمتلك صورا حديثة للطفلتين، والصور المتاحة لهما تعود إلى سنوات طفولتهما الأولى، لتصبح تلك الصور القديمة من الذكريات القليلة التى تحتفظ بها الأسرة بعد الحادث. أما أحمد رجب محمد، الطفل الذى لم يتجاوز التاسعة من عمره، فكان خروجه إلى العمل بداية حكاية أخرى من حكايات الفقد، وقال والده إن نجله كان رغم صغر سنه يشعر بالمسؤولية، ويرغب فى مساعدة الأسرة، حيث اتفق مع عدد من زملائه على التوجه إلى إحدى المزارع للعمل مقابل الحصول على 100 جنيه، ويروى الأب أنه حاول منع ابنه من الذهاب خوفا عليه، وقال له إنه لا يريد منه العمل، وعليه البقاء فى المنزل، لكن الطفل أصر.ويضيف الأب أن أحمد أخبره بأنه سيذهب للمبيت لدى جده، ولم يكن يعلم أن نجله سيخرج فى منتصف الليل ليستقل الميكروباص مع زملائه، قبل أن يتلقى خبر وفاته.فى منزل آخر بالعزبة تبدأ القصة الثالثة، حيث كانت أسرة هيام حسن حسين، 50 سنة، أو «أم يوسف» كما يطلق عليها جيرانها تستعد لفرحة عائلية لم يتبق عليها سوى 15 يومًا، إذ كانت الأم تنتظر زفاف ابنتها الكبرى، وتشارك أبناءها تجهيزات المناسبة يقول أحمد، زوج الضحية، إن زوجته كانت شريكة كفاحه فى تربية أبنائها السبعة، وإنها عاشت الأيام الأخيرة فى سعادة استعدادا لزفاف ابنتها، قبل أن تتحول فرحة الأسرة المنتظرة إلى مأتم.وأضاف أن زوجته كانت تنوى اصطحاب نجلها الأصغر فى الرحلة، لكنه لم يرافقها فى اللحظات الأخيرة، لتعود الأسرة من رحلتها بفقدان الأم التى كانت تحلم بمشاهدة ابنتها عروسًا.وقال حسن محمد، مزارع، إن بعض أبناء العزبة اعتادوا التوجه إلى المزارع البعيدة للعمل فى جمع المحاصيل، والأجر اليومى للعامل الواحد قد يصل إلى 150 جنيها، وهو مبلغ يمثل بالنسبة إلى بعض الأسر موردا مهما لمواجهة أعباء المعيشة.وأشار محمود غانم، مزارع من أهالى العزبة، إلى أن الأهالى اعتادوا إرسال أبنائهم للعمل فى المزارع الواقعة بمحور الضبعة والمناطق المحيطة به، حيث تتنوع المحاصيل بين البصل والثوم والبطاطس والطماطم والقمح والذرة وبنجر السكر والفول السودانى والفاصوليا، وتحتاج هذه الزراعات إلى عمالة موسمية فى مراحل الزراعة والحصاد والجمع وتبدأ بعض الرحلات قبل الفجر، حتى يتمكن العمال من الوصول إلى المزارع وبدء العمل، ثم العودة إلى قراهم فى نهاية اليوم، وهو ما يجعل وسيلة الانتقال وظروفها جزءا أساسيا من حياة هذه العمالة.وشيع أهالى عزبة تادرس التابعة لمركز سنورس بمحافظة الفيوم، جثامين 12 من أبناء العزبة ومحجوب، الذين لقوا مصرعهم فى حادث التصادم المروع بين سيارة ميكروباص وأخرى نقل ثقيل «تريلا»، عند تقاطع الطريق الأوسطى مع طريق الضبعة بمحافظة الجيزة، وسط حالة من الحزن والانهيار بين أسر الضحايا وذويهم.وأدى الأهالى صلاة الجنازة على جثامين الضحايا فى ساحة كبيرة بالقرية، بمشاركة أعداد كبيرة من الأهالى والأقارب، الذين توافدوا لإلقاء نظرة الوداع على الضحايا، قبل تشييعهم إلى مثواهم الأخير، فى مشهد جنائزى مهيب خيمت عليه حالة من الحزن، وارتفعت خلالها أصوات البكاء والدعاء للمتوفين بالرحمة والمغفرة.وكانت النيابة المختصة أمرت بالتصريح بدفن جثامين المتوفين عقب الانتهاء من الإجراءات القانونية اللازمة، وتسليمها إلى ذويهم تمهيدا لتشييعها ودفنها بمقابر أسرهم فى الفيوم وقدم الدكتور محمد هانى غنيم، محافظ الفيوم، واجب العزاء لأسر ضحايا الحادث، وأكد أنه تابع، فور وقوع الحادث، التنسيق مع الجهات المعنية بمحافظة الجيزة ووزارة الصحة، للوقوف على مستجدات الحادث ومتابعة نقل المصابين، إلى جانب تسهيل الإجراءات المتعلقة بنقل الجثامين واستخراج تصاريح الدفن.ووجه محافظ الفيوم مديرية التضامن الاجتماعى بسرعة إنهاء إجراءات صرف المساعدات المالية العاجلة، وتوفير أوجه الرعاية والدعم اللازم لأسر المتوفين والمصابين.

المصدر: المصري اليوم