شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ملفّك الطبي بين يدَي الذكاء الاصطناعي… مَن يقرّر مصير بياناتك؟

ملفّك الطبي بين يدَي الذكاء الاصطناعي… مَن يقرّر مصير بياناتك؟

قد لا تنتهي رحلة ملفّك الطبي بانتهاء علاجك. فصورة أُخذت لتشخيص حالتك قد تُستخدم لاحقاً لتدريب نظام ذكاء اصطناعي على اكتشاف الأمراض، لتصبح جزءاً من أداة تساعد في علاج مرضى آخرين. لكنّ هذه المنفعة المحتملة تفتح أسئلة تتجاوز كفاءة التكنولوجيا: مَن يقرّر انتقال المعلومات من ملفّ علاجي إلى مادة للتطوير؟ وأين تقع الحدود بين منفعة طبية مشروعة واستغلال تجاري للخصوصية؟

حياة أخرى للملف الطبي

تسمّي منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إعادة توظيف المعلومات التي جُمعت أثناء الرعاية لأغراض البحث والابتكار وإدارة الأنظمة الصحية "الاستخدام الثانوي للبيانات". وقد تشمل هذه المعلومات التشخيصات والأدوية ونتائج الفحوص والصور الطبية، إضافة إلى الصحة النفسية والتاريخ العائلي وأنماط السلوك.

لكنّ الفائدة المحتملة لا تُنهي أسئلة الرقابة. ففي تقرير صدر في تموز 2026، حذّرت منظمة الصحة العالمية من اختلال موازين القوة وتقاسم المنافع ومخاطر "استعمار البيانات" في البلدان المخفوضة والمتوسطة الدخل.

ويفتح ذلك نقاشاً يتجاوز سرّية المعلومات: مَن يستفيد من المنتجات المطوّرة ببيانات المرضى، وهل تصل فوائدها إلى المجتمعات التي ساهمت فيها؟

خصوصية البيانات

وفي مسار آخر، أقرّت اللجنة الأميركية عام 2023 تسوية بقيمة 7.8 ملايين دولار مع منصة "BetterHelp"، بعد اتهامها بمشاركة معلومات، بينها إجابات عن استبيانات صحية وعناوين إلكترونية، مع منصات إعلانية رغم وعود الخصوصية. وحظرت التسوية مشاركة البيانات الصحية لأغراض الإعلان.

وتختلف هنا الممارسة عن التدريب الطبي، فالغرض هنا هو الإعلان. لذلك، يصبح تحديد هدف المعالجة والجهات المستفيدة ضرورياً لتقييم كل استخدام، بدلاً من جمع الممارسات جميعها تحت عنوان "تحسين الخدمة".

هل تكفي إزالة الاسم لحماية المريض؟

قد يبدو حذف اسم المريض من ملفّه كافياً لحماية خصوصيته، لكنّ إزالة الهوية عملية أوسع. إذ تشمل إحدى الطرق المعتمدة حذف مجموعة من المعلومات التعريفية، مثل عناوين البريد الإلكتروني وأرقام الملفات الطبية ومعرّفات الأجهزة، وتفاصيل جغرافية وتواريخ مرتبطة بالشخص.

وفي مجال تدريب الذكاء الاصطناعي، تنصّ إرشادات الخدمات الصحية الوطنية في إنكلترا، على سبيل المثال، على استخدام المعلومات المطلوبة فقط، وإزالة البيانات التعريفية أو استبدالها برموز حيثما أمكن. وإذا احتُمل أن يتمكّن المطوّرون من تحديد هوية المرضى، فتشير الإرشادات إلى ضرورة تقديم طلب إلى اللجنة المختصّة بسرّية معلومات المرضى لتقييم الاستخدام المقترح ومبرّراته. وهذه إجراءات تخصّ النظام الإنكليزي، ولا تعني أنّ الضمانات نفسها متاحة في كل بلد.

لذا، من الأهمية أن توضع من ضمن معايير تقييم الاستخدام ضرورة تناسب البيانات المطلوبة مع المنفعة المتوقعة، وإبلاغ الأفراد بوضوح بالاستخدام المقصود، وتوافر ضمانات أمنية وآليات للاعتراض.

ومن هنا، يصبح السؤال الذي ينبغي طرحه على الجهة الطبية أكثر تحديداً: هل تُنقل السجلات كاملة أم أجزاء منها؟ وهل تبقى لدى المؤسسة أم تصل إلى مطوّر خارجي؟ ومَن يراجع ضرورة هذا الوصول؟ فعبارة "بيانات مجهّلة الهوية" تحتاج إلى شرح للخطوات والضمانات التي تقف خلفها، حتى يفهم المريض ما الذي حُذف فعلاً، وما الذي سيبقى متاحاً للاستخدام.


لهذا، ينبغي أن يرافق كل مشروع سؤال واضح للمريض: ما الذي سيحدث لمعلوماتي بعد انتهاء علاجي؟ فالابتكار المسؤول يحتاج إلى إجابة مفهومة عن الغرض والمستفيد والرقابة، قبل أن يتحوّل الملف الطبي إلى مورد تستخدمه جهات لم يعرفها صاحبه حتّى.

المصدر: النهار