شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

شفق نيوز..تمويل التجارة في العراق.. تعثر الحوالات يجمّد سيولة المستوردين

شفق نيوز..تمويل التجارة في العراق.. تعثر الحوالات يجمّد سيولة المستوردين

لم يؤدِّ إنهاء العمل بمنصة الدولار في العراق إلى انسيابية تمويل التجارة الخارجية كما كان مأمولاً، إذ انتقلت الاختناقات من آلية التحويل القديمة إلى المصارف المراسلة وإجراءاتها المعقدة، وسط تأخر حوالات المستوردين وتجميد أموالهم، فيما يجد صغار التجار أنفسهم أمام خيارات محدودة تدفع بعضهم إلى السوق الموازية، بما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع والقوة الشرائية للمواطنين. ومنذ مطلع عام 2025، اتجه العراق إلى اعتماد المصارف التجارية والمصارف المراسلة الدولية في تنفيذ التحويلات الخارجية، في إطار مساعٍ لتعزيز الشفافية والامتثال للمعايير الدولية، غير أن هذا التحول كشف عن تفاوت قدرات المصارف على إنجاز المعاملات، فضلاً عن تعقيدات إدارية ومصرفية لا تزال تعترض حركة التجارة، ولا سيما لدى المستوردين الصغار والمتوسطين. وفي هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، أن المشكلة الأساسية لا تكمن في إنهاء منصة الدولار بحد ذاته، بل في عدم مواكبة الانتقال إلى النظام المصرفي الجديد بتطوير كافٍ للإجراءات الإدارية والمصرفية التي تضمن سرعة التحويلات التجارية. ويشير السعدي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن تفاوت قدرات المصارف وتعقيد المتطلبات أمام المستوردين، إلى جانب البيروقراطية المصرفية والجمركية، أوجدت عقبات إضافية أمام حركة التجارة، خصوصاً مع اشتراط تقديم البيانات المسبقة وتسديد الرسوم والضرائب قبل استكمال بعض إجراءات الاستيراد. وكان قرار الاستيفاء الجمركي المسبق قد عُلّق في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، بعد أن أثار تطبيقه إشكالات تتعلق بتوقيت استحصال الرسوم وانعكاساته على المستوردين، ويقول السعدي إن تلك التجربة كشفت ضرورة التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والجمركية قبل اعتماد أي إجراءات جديدة. ويوضح أن دفع الرسوم والضرائب مسبقاً يؤدي إلى تجميد جزء من رأس المال العامل للتاجر، فضلاً عن زيادة تكاليف التخزين والشحن والتأخير، وهو ما يضغط بصورة أكبر على سيولة الشركات الصغيرة ويعرقل دورة رأس المال التجاري. ولا تقتصر المشكلة على صغار المستوردين، إذ يواجه كبار التجار أيضاً تأخراً في وصول حوالاتهم إلى الجهات الخارجية، في ظل محدودية المصارف القادرة على تنفيذ التحويلات، والقيود المفروضة على عدد من المؤسسات المالية العراقية. وفي هذا الجانب، يقول الخبير الاقتصادي، أحمد الجنابي، إن تعثر تمويل التجارة يشمل شريحتين رئيسيتين من التجار، هما كبار المستوردين النظاميين وصغار التجار الذين لا يمتلكون قنوات مصرفية رسمية مناسبة لتغطية معاملاتهم. ويضيف الجنابي لوكالة شفق نيوز، أن كبار التجار يواجهون تأخراً في حوالاتهم يتراوح بين شهر وشهر ونصف، مشيراً إلى أن تمويل التجارة يعتمد على مصرف التجارة العراقي (TBI) وأربعة مصارف أجنبية، إلا أن هذه القنوات تشهد بدورها تأخراً في إنجاز حوالات المستوردين. وبحسب الجنابي، فإن هذا التأخير يدفع بعض التجار إلى البحث عن الدولار في السوق الموازية لتغطية التزاماتهم التجارية، الأمر الذي يزيد الطلب عليها ويضيف أعباء مالية إلى كلفة الاستيراد، فيما يواجه صغار التجار مشكلة مختلفة تتمثل في عدم وجود منصة مخصصة لهم تتيح تمويل تجارتهم عبر القنوات الرسمية. ويشير إلى أن البنك المركزي يعمل على إيجاد آلية أو منصة خاصة بهذه الفئة، مع ضرورة مراقبة حركة الأموال والتحقق من مصادرها واستخداماتها، منعاً لاستغلالها في غسل الأموال أو تمويل أنشطة تجارية غير مشروعة. ومن جانبه، يؤكد نائب رئيس غرفة تجارة بغداد، جعفر الحمداني، أن تأخر الحوالات بات يربك السوق المحلية ويؤثر مباشرة في دورة رأس المال لدى رجال الأعمال والمستوردين. ويقول الحمداني لوكالة شفق نيوز، إن عدداً كبيراً من المستوردين سددوا مبالغ حوالاتهم إلى المصارف وقدموا المستندات التي تثبت ذلك، لكن معاملاتهم لا تزال تتأخر بصورة ملحوظة، بما يؤثر في التزاماتهم التجارية وحركة السوق. ويضيف أن انسيابية التجارة ترتبط بسرعة انتقال رأس المال وتمكين المستوردين ورجال الأعمال من إتمام معاملاتهم مع الأسواق الخارجية، مشيراً إلى أن غرفة تجارة بغداد تتابع هذه الإشكالات عبر قنواتها مع الجهات الحكومية والبنك المركزي والمصارف العراقية، بهدف تسهيل إجراءات التحويلات وتسريع إنجازها. وفي تفسير آخر لجذور الأزمة، يربط الخبير الاقتصادي، أحمد عبد ربه، تعثر تمويل التجارة الخارجية باختلالات هيكلية في القطاع المصرفي، نتيجة القيود والعقوبات التي طالت عدداً من المصارف العراقية وحدّت من قدرتها على التعامل بالدولار والقنوات المصرفية الخارجية، فضلاً عن بطء تنفيذ برنامج الإصلاح المصرفي الذي تعمل عليه شركة "أوليفر وايمان" العالمية للاستشارات الإدارية بالتنسيق مع البنك المركزي. ويقول عبد ربه لوكالة شفق نيوز، إن العراق انتقل من مرحلة تنظيم التحويلات الخارجية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتعلق بقدرة المصارف على تنفيذ عمليات التجارة بكفاءة وسرعة، مبيناً أن توفر العملة الأجنبية وحده لا يكفي ما لم يمتلك التاجر مصرفاً لديه علاقات مراسلة خارجية وإجراءات واضحة تضمن إنجاز التحويلات دون تأخير أو تكاليف إضافية. وفي هذا الصدد، يبرز ملف إعادة المصارف العراقية إلى قنوات المراسلة الخارجية بوصفه أحد المسارات المطروحة لمعالجة الاختناقات، إذ أكد البنك المركزي العراقي، في 18 تموز/ يوليو 2026، تأهل سبعة مصارف لاجتياز المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح المصرفي والعودة إلى التعامل عبر قنوات المراسلة بالعملات غير الدولار، على أن يخضع تعاملها بالدولار لاحقاً لاستكمال متطلبات إضافية. ويرى عبد ربه أن تسريع عودة هذه المصارف إلى العمل باليورو والدرهم الإماراتي واليوان الصيني من شأنه توسيع خيارات تمويل التجارة، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المؤسسات المالية التي تستحوذ حالياً على الحصة الأكبر من التحويلات، فضلاً عن خلق منافسة في تقديم الخدمات المصرفية للتجار والمستوردين. ويشدد على ضرورة تسريع برنامج شركة "أوليفر وايمان" وتوسيع قاعدة المصارف المؤهلة، بدلاً من إبقاء الإصلاح ضمن مسارات إدارية طويلة، بما يسمح بزيادة قدرة القطاع المصرفي على تنفيذ التحويلات الخارجية. ومع استمرار صعوبات التحويل بالدولار، تتجه الأنظار إلى العملات البديلة بوصفها أحد الخيارات الممكنة لتخفيف الضغط على القنوات المصرفية التقليدية، إلا أن فاعليتها تبقى مرتبطة بمدى توافر البنية المصرفية اللازمة لتسوية المعاملات التجارية. ويؤيد أحمد الجنابي إمكانية نجاح التعامل بالعملات الأخرى، مشيراً إلى أن رابطة المصارف العراقية طرحت خيار عودة بعض المصارف إلى العمل عبر النظام المصرفي الدولي بعملات غير الدولار، ولا سيما أن عدداً منها استكمل متطلبات الإصلاح التي وضعتها شركة "أوليفر وايمان"، لكنه لم يستعد نشاطه الطبيعي حتى الآن. ويعتقد أن هذا المسار قد يساعد في تخفيف القيود المفروضة على المصارف العراقية وتوفير خيارات إضافية للتجار، لكنه يحتاج إلى خطوات تنفيذية تتيح لهذه المصارف استئناف عملياتها بصورة فعلية. أما نوار السعدي، فيرى أن التعامل باليورو واليوان والدرهم يمثل خطوة مهمة لتنويع مصادر تمويل التجارة وتقليل الاعتماد المطلق على الدولار، لكنه يحذر من التعامل معه بوصفه حلاً سريعاً أو كافياً لإنهاء نفوذ السوق الموازية. ويعزو ذلك إلى أن نجاح العملات البديلة يتطلب وجود مصارف مراسلة واتفاقات تسوية وسيولة كافية وقنوات تحويل موثوقة، إلى جانب الالتزام بالمعايير الدولية، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تتمثل في قدرة النظام المالي على إيصال العملة الأجنبية إلى المستورد الحقيقي بالسرعة والكلفة المناسبتين. وفي موازاة البحث عن بدائل للعملة الأميركية، لا تزال السوق الموازية تستفيد من الفجوة بين الطلب الفعلي على العملات الأجنبية وقدرة القنوات المصرفية الرسمية على تلبيته. ويقول السعدي إن هذه السوق لا يمكن إنهاء نفوذها بمجرد توفير الدولار أو طرح عملات بديلة، لأنها تعكس خللاً في قدرة المصارف الرسمية على تلبية احتياجات المستوردين بسرعة وكفاءة، وكلما تعثرت التحويلات اتسعت المساحة أمام التعاملات غير النظامية. بدوره، يشير الخبير الاقتصادي، صفوان قصي، إلى أن النظام التجاري العراقي يحتاج إلى تعزيز التعامل بالعقود التجارية طويلة الأجل مع مناشئ معروفة، بما يتيح تهيئة التحويلات والاعتمادات المستندية بسرعة أكبر، ويسهل إجراءات التدقيق التي يجريها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. ويضيف قصي لوكالة شفق نيوز، أن معرفة المجهزين ومصادر البضائع وتوثيق العقود من شأنها الحد من تأخر بعض الحوالات أو رفضها عند وجود شكوك بشأن الجهات الموردة أو طبيعة التجهيزات. ويلفت قصي إلى أن البنك المركزي اتخذ إجراءات لاختصار زمن إنجاز التحويلات من 23 يوماً إلى ثلاثة أيام، في مسعى لتقليل التأخير وتلبية الطلب على الدولار بصورة أكثر انسيابية، فضلاً عن التوجه إلى الانفتاح على عملات أخرى لتمويل التجارة. لكنه يحذر من استمرار لجوء بعض التجار الصغار والمتوسطين إلى السوق غير النظامية، بدلاً من التعامل عبر الحسابات المصرفية الرسمية والاستفادة من الدولار بالسعر المعتمد البالغ 1520 ديناراً، مشيراً إلى أن بعضهم يلجأ إلى شراء الدولار من السوق الموازية وإدخال البضائع عبر منافذ غير رسمية أو تغيير جنس البضاعة المستوردة. ويؤكد أن توسيع إمكانية استخدام المنصة الإلكترونية أمام هذه الفئة، ولا سيما تجار إقليم كوردستان والمناطق المحررة، من شأنه تخفيف الضغط على السوق الموازية، شريطة ربط المنظومة المصرفية بالضرائب والجمارك ضمن نظام إلكتروني موحد يتيح تحديد هوية التاجر وطبيعة البضاعة المستوردة والرسوم المستحقة ومخازنها والمشتري النهائي. ولا تتوقف تداعيات تعثر تمويل التجارة عند المصارف والمستوردين، بل تمتد إلى السوق المحلية، حيث تتحول تكاليف التأخير والتمويل والتخزين إلى أعباء إضافية على أسعار السلع والخدمات. ويحذر أحمد الجنابي من أن بعض التجار قد يستوردون بضائعهم بالسعر الرسمي، ثم يبيعونها للمستهلك وفق تكاليف محسوبة على سعر السوق الموازية، سعياً إلى تحقيق هوامش ربح أعلى، ما يستدعي متابعة من الأجهزة المعنية والأمن الاقتصادي لضبط هذه الممارسات. كما يؤكد جعفر الحمداني أن تأخر الحوالات ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات، فيما يرى نوار السعدي في الختام أن المستورد يتحمل في البداية كلفة التأخير والتمويل والتخزين، قبل أن تنتقل هذه الأعباء إلى المستهلك العراقي وتؤثر في قوته الشرائية.

المصدر: شفق نيوز