حين يرتدي الذكاء الاصطناعي خوذة الشيطان
أ. أحلام محسن زلزلة
الخوف المبرَّر من الذكاء الاصطناعي لا يكمن في أن يتفوّق على البشر، بل في أن يتصالح معهم، فيتعلّم منهم كيف تدار الحيل، وكيف يُزيّف الحق، وكيف تطوَّع المعرفة لخدمة المصالح. فبماذا يبشّرنا هذا؟
قد يتبدّل الوجه الواحد إلى وجهين، واللسان الواحد إلى لسانين، ويتنكّر الكلام الشفاف بقناع المصلحة، فتلتوي المعرفة لتناسب الأهواء، وتصبح الحقيقة مادة قابلة للتشكيل بحسب رغبة صاحبها.
وبعد أن كنّا نشترط استقاء المعرفة من ينابيعها الأصلية، صرنا نسارع إلى اتهام الإنسان باستخدام الذكاء الاصطناعي، وكأن الأداة موضع الشبهة، لا اليد التي تستخدمها، ولا العقل الذي
يوجّهها، ولا الغاية التي يسعى إليها. ونخشى على الذكاء من التلوّث الفكري، لكن أيّ ذكاء بشري لم يلوّث الحياة؟ فالعقل البشري هو الذي سخّر المعرفة للاحتيال، وزيّف قيمة الأشياء، حتى بات المصنَّع يتفوّق في أعين البعض على الخام، والمزيّف ينافس الأصيل. وإن تفوّق الإنسان على الآلة في شيء، فقد يكون في الخديعة والكذب، وفي ابتكار طرق جديدة لتبرير القبح وتسويقه على أنه ضرورة، أو ذكاء، أو حق مشروع.
فماذا سنعلّم هذا الذكاء إذا سألناه عن طريقة لارتكاب جريمة يصعب على القانون كشفها، للاستئثار بميراث، أو لخداع زوج، أو للتخلّص من شقيق لمجرّد أنه نال نصيباً من الأرض؟ أيّ معرفة هذه التي تتحوّل فيها حفنة التراب التي أورثها الأب لأبنائه إلى سبب للعداوة، بدل أن تكون تربةً تُزرع فيها نبتة المحبة، فتلمّ شمل العائلة وتردّ أبناءها إلى جذورهم؟
وأيّ انحطاط أشدّ من أن يبيع صديق وفاءه ويستبيح سرّ صديقه، لا لشيء إلا لأنه أفضل منه؟ إن الحسد، حين يعجز عن بلوغ مكانة غيره، يسعى إلى إسقاطه، لا ليرتفع، بل ليخفّف وطأة شعوره بالنقص. فكيف إذا وجد هذا الحسد أداةً لا تتعب، ولا تتردّد، ولا تستحي؟
يا للهول! يا للبشاعة!
ليست الكارثة في أن يكشف الذكاء الاصطناعي خفايا النفوس، بل في أن نضع هذه القدرة في خدمة النفوس الضالّة، فيصير التحليل ابتزازاً، والتوقّع أداة إيذاء، والمعرفة سلاحاً. وحين تجتمع قدرة الآلة على التحليل مع براعة الإنسان في التضليل، تصبح الخديعة أتقن، والكذبة أكثر إقناعاً، والجريمة أقدر على التخفّي. عندها لن تكون المشكلة في ذكاء يتجاوزنا، بل في شرّ نلقّنه إياه، ثم نعجز عن ضبط حدوده.
الذكاء الاصطناعي ليس شيطاناً يولد من تلقاء نفسه، لكن الإنسان قد يفتح له أبواب الشر، ويزوّده مفاتيحها، ثم يرتعب حين يراه يدخل منها بثقة وسرعة. وعندها لن تكفي القوانين وحدها، ولن ينفع الندم؛ فالمسؤولية الأخلاقية تبدأ بمن يصنع الأداة ومن يستعملها، قبل أن نطالب الأداة نفسها بما لم يلتزمه الإنسان.
ولعلّ رجاءنا ألا يرث الذكاء عنّا شهواتنا السود، المدهونة بطلاء أبيض يخفي قبحها. وإلا فسيكسر عصا موسى، ويرمي خاتم سليمان، ويرتدي خوذة الشيطان.
ولن يكون ذلك لأن الذكاء الاصطناعي اختار الشر من تلقاء نفسه، بل لأن الإنسان، وهو يعلّمه كيف يفكّر، نسي أن يعلّمه أين يجب أن يتوقّف؟
المصدر: النهار