أرصدة مالية ضخمة تتراكم في الحسابات الخصوصية للخزينة دون صرف
كشفت معطيات رسمية حديثة استمرار تراكم أرصدة مالية ضخمة غير مصروفة في الحسابات المرصدة لأمور خصوصية التابعة للخزينة بالمغرب، بعدما بلغت قيمتها الإجمالية 230,9 مليار درهم (23 ألفا و90 مليار سنتيم) عند متم سنة 2025، مقابل 198,4 مليار درهم خلال السنة السابقة، و179,4 مليار درهم سنة 2023، بزيادة سنوية ناهزت 16,4 في المائة.
وأظهرت معطيات التقرير حول الحسابات الخصوصية للخزينة، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن الموارد الإجمالية للحسابات المرصدة لأمور خصوصية بلغت 407,25 مليار درهم خلال السنة الماضية، بما فيها الأرصدة المرحلة من السنوات السابقة، مقابل نفقات منجزة لم تتجاوز 176,32 مليار درهم، أي ما يعادل 43,3 في المائة من مجموع الموارد المتاحة، فيما جرى ترحيل المبالغ المتبقية إلى السنة المالية الموالية، وفق الآليات المحاسباتية المعتمدة لتدبير هذه الحسابات.
وأفاد التقرير ذاته، الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، بأن حجم الأرصدة المرحلة سجل ارتفاعا متواصلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة؛ إذ انتقل من 179,43 مليار درهم نهاية 2023 إلى 198,36 مليار درهم نهاية 2024، قبل أن يصل إلى 230,93 مليار درهم نهاية 2025، بزيادة إجمالية بلغت حوالي 51,5 مليار درهم خلال سنتين، ما يعكس اتساع الفارق بين الموارد المالية المتاحة والنفقات المنجزة في إطار الحسابات المعنية.
ووضعت هذه الأرقام تدبير الحسابات المرصدة لأمور خصوصية أمام تساؤلات مرتبطة بفعالية البرمجة المالية ووتيرة تنفيذ النفقات، خصوصا مع استمرار تعزيز مواردها الذاتية والتحويلات القادمة من الميزانية العامة، بالتزامن مع ارتفاع الأرصدة المرحلة، علما أن هذه الحسابات تشكل آلية لتمويل سياسات عمومية تشمل الحماية الاجتماعية والتنمية الترابية والاستثمار والبنيات التحتية ومواجهة الكوارث الطبيعية.
أرصدة ضخمة في حسابات الدولة والجماعات
استحوذ الحساب الخاص باستبدال أملاك الدولة على النصيب الأكبر من الأرصدة المرحلة إلى سنة 2026، بعدما بلغ رصيده 85,11 مليار درهم عند متم السنة الماضية، أي ما يعادل حوالي 36,9 في المائة من مجموع الأرصدة غير المصروفة، متقدما بفارق كبير على بقية الحسابات المرصدة لأمور خصوصية.
وأبرز التقرير أن الحساب المذكور سجل موارد ذاتية بقيمة 43,93 مليار درهم خلال 2025، مقابل نفقات بلغت 16,27 مليار درهم، فيما يعكس رصيده النهائي حصيلة الموارد المتاحة، بما فيها الأرصدة المرحلة من السنوات السابقة، بعد احتساب النفقات المنجزة خلال السنة المالية، وذلك في إطار العمليات المرتبطة باستبدال أملاك الدولة وتدبير الموارد العقارية المخصصة لهذا الغرض.
وحلت حصة الجماعات الترابية من حصيلة الضريبة على القيمة المضافة في المرتبة الثانية ضمن الحسابات ذات الأرصدة المرتفعة، برصيد مرحل بلغ 31,1 مليار درهم، رغم تسجيل نفقات بقيمة 54,5 مليار درهم خلال السنة الماضية، مقابل موارد ذاتية بلغت 52,45 مليار درهم، إضافة إلى تحويلات من الميزانية العامة بقيمة 4,64 مليار درهم.
واكتسى تراكم هذه الأرصدة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الحساب بتمويل الجماعات الترابية، ومساهمته في توفير الموارد الضرورية لتغطية نفقاتها ودعم تدخلاتها المحلية، ما يطرح تساؤلات بشأن وتيرة تعبئة الاعتمادات وتحويلها إلى تمويلات فعلية، ومدى انعكاس الموارد المتاحة على تنفيذ البرامج والمشاريع الترابية، خصوصا في ظل تنامي الاحتياجات المرتبطة بالتجهيز والبنيات التحتية والخدمات المحلية.
وفي المرتبة الثالثة، سجل الحساب الخاص بمنح دول مجلس التعاون الخليجي رصيدا مرحلا بلغ 9,42 مليار درهم، مقابل نفقات لم تتجاوز 665 مليون درهم خلال 2025، فيما بلغت الأرصدة المرحلة لمرصدات المصالح المالية 8,39 مليار درهم. ويبرز حجم الرصيد المحتفظ به في حساب المنح الخليجية أهمية تتبع وتيرة تعبئة هذه التمويلات وصرفها على المشاريع المخصصة لها، مع مراعاة طبيعة الاتفاقيات والالتزامات المرتبطة بهذه الموارد.
وشملت قائمة الحسابات ذات الفوائض المالية المهمة صندوق مواكبة إصلاحات النقل الطرقي الحضري والرابط بين المدن، الذي بلغ رصيده 7,37 مليار درهم، رغم تخصيص تحويلات له من الميزانية العامة بقيمة 3,2 مليار درهم خلال السنة نفسها، ما يسلط الضوء على الفارق بين الموارد المعبأة والنفقات المنجزة في إطار برامج إصلاح منظومة النقل وتطوير خدماتها.
وامتدت الأرصدة المرحلة إلى الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال الذي عرفته المملكة المغربية، بعدما احتفظ برصيد بلغ 6,14 مليار درهم عند متم 2025، مقابل نفقات منجزة بقيمة 6,05 مليارات درهم، في سياق استمرار البرامج المرتبطة بإعادة الإعمار والتأهيل ومعالجة الأضرار الناجمة عن الكارثة، التي تتطلب تعبئة التمويلات وتنفيذ التدخلات وفق مراحل زمنية متعددة.
وسجل صندوق دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بدوره رصيدا مرحلا بقيمة 4,66 مليار درهم، مقابل نفقات بلغت 3,1 مليار درهم، فيما وصل الرصيد المتبقي في صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي إلى 4,6 مليارات درهم، رغم تسجيل نفقات مهمة بلغت 37,67 مليار درهم خلال السنة الماضية، ما يعكس اختلاف حجم الإنفاق بين الحسابات الموجهة إلى تمويل البرامج الاجتماعية.
وتوزعت أرصدة أخرى على صندوق تضامن مؤسسات التأمين بقيمة 5,02 مليار درهم، والصندوق الخاص بالطرق بنحو 4,44 مليار درهم، وصندوق التضامن بين الجهات بما يقارب 3,98 مليار درهم، فضلا عن صندوق التضامن لدعم السكن وللسكنى والاندماج الحضري، الذي سجل رصيدا مرحلا بلغ 3,49 مليار درهم.
وأشرت المعطيات نفسها على احتفاظ صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية برصيد بلغ 3,02 مليار درهم، وصندوق التطهير السائل والصلب وتصفية المياه المستعملة وإعادة استعمالها بحوالي 2,67 مليار درهم، إلى جانب صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية، الذي بلغ رصيده 2,46 مليار درهم.
وعكس توزيع هذه الأرصدة تركز جزء مهم من الموارد المالية المرحلة في حسابات مرتبطة بالعقار العمومي والجماعات الترابية والتمويلات المخصصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فيما يبرز استمرار ارتفاعها أهمية الوقوف على تطور موارد هذه الحسابات ومصادر تمويلها، ومدى مواكبة النفقات المنجزة لحجم الاعتمادات المتاحة.
تحويلات متزايدة وفوارق في وتيرة الإنفاق
أظهرت البيانات الواردة في التقرير، بموازاة تراكم الأرصدة المالية في عدد من الحسابات المرصدة لأمور خصوصية، استمرار تعزيز مواردها عبر تحويلات الميزانية العامة، التي ارتفعت بنسبة ناهزت 33 في المائة خلال 2025، بعدما انتقلت من 48,79 مليار درهم سنة 2024 إلى 64,96 مليار درهم، بزيادة تجاوزت 16,16 مليار درهم خلال سنة واحدة.
وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع نمو الموارد الذاتية للحسابات المذكورة إلى 143,97 مليار درهم، مقابل 128,98 مليار درهم سنة 2024، و115,43 مليار درهم سنة 2023، ما يعكس استمرار تعزيز إمكانياتها التمويلية، في وقت سجلت فيه الأرصدة المرحلة ارتفاعا بمعدل سنوي متوسط قدره التقرير بحوالي 15 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025.
واستفاد صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي من الحصة الأكبر من تحويلات الميزانية العامة خلال السنة الماضية، بقيمة 24,94 مليار درهم، متبوعا بالصندوق الوطني لتنمية الرياضة بـ6,45 مليار درهم، وحصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة بـ4,64 مليار درهم، ثم صندوق التنمية الفلاحية بـ4,48 مليار درهم.
وشملت التحويلات أيضا صندوق التضامن لدعم السكن وللسكنى والاندماج الحضري، الذي استفاد من 4,22 مليار درهم، وصندوق مواكبة إصلاحات النقل الطرقي الحضري والرابط بين المدن بـ3,2 مليار درهم، إضافة إلى صندوق دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بـ2,63 مليار درهم، ما يبرز استمرار اعتماد هذه الآلية المالية في تمويل برامج اجتماعية واقتصادية ذات أولوية.
وفي المقابل، أظهرت معطيات تنفيذ النفقات ارتفاع المبالغ المصروفة من الحسابات المرصدة لأمور خصوصية إلى 176,32 مليار درهم سنة 2025، مقابل 158,84 مليار درهم سنة 2024، و136,19 مليار درهم سنة 2023، بزيادة سنوية بلغت حوالي 11 في المائة، وهي وتيرة تزامنت مع استمرار نمو الموارد الإجمالية والأرصدة المرحلة إلى السنوات المالية الموالية.
وتصدرت وزارة الداخلية القطاعات الحكومية من حيث النفقات المنجزة في إطار هذه الحسابات، بقيمة 71,12 مليار درهم، أي 40,33 في المائة من المجموع، متبوعة بوزارة الاقتصاد والمالية بنفقات بلغت 65,23 مليار درهم، بحصة ناهزت 36,99 في المائة.
واستحوذت الوزارتان بذلك على أكثر من 77 في المائة من مجموع النفقات المنجزة، فيما بلغت حصة سبعة قطاعات حكومية مجتمعة حوالي 95 في المائة من الإنفاق الإجمالي للحسابات المرصدة لأمور خصوصية، ما يبرز درجة تركيز تدبير الموارد والنفقات لدى عدد محدود من الآمرين بالصرف.
على مستوى توزيع النفقات حسب الحسابات، استأثرت حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة بالمبلغ الأكبر، بقيمة 54,5 مليار درهم، متبوعة بصندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي بـ37,67 مليار درهم، ثم الحساب الخاص باستبدال أملاك الدولة بـ16,27 مليار درهم، والصندوق الخاص لحصيلة حصص الضرائب المرصدة للجهات بـ9,25 مليار درهم.
وكشفت المقارنة بين تطور الموارد والنفقات عن ارتفاع متواصل في حجم الأموال المعبأة لفائدة الحسابات المرصدة لأمور خصوصية، مقابل نمو أقل في الإنفاق الإجمالي خلال 2025؛ إذ ارتفعت الموارد الإجمالية بنحو 14 في المائة، بينما زادت النفقات بحوالي 11 في المائة، ما ساهم في انتقال الأرصدة المرحلة إلى مستوى غير مسبوق خلال الفترة التي شملها التقرير.
وأكد التقرير أن الحسابات الخصوصية للخزينة تشكل أداة أساسية لتنزيل السياسات العمومية، بفضل المرونة التي توفرها في تعبئة الموارد المالية وترحيل الأرصدة بين السنوات، خصوصا بالنسبة إلى البرامج متعددة السنوات والتدخلات المرتبطة بالظروف الاستثنائية، مشيرا إلى دورها في تمويل التنمية الترابية والاقتصادية والاجتماعية، ودعم الاستثمار وإنعاش التشغيل.
وأبرزت الحصيلة المالية لسنة 2025 أن الإشكالية لا ترتبط بنقص الموارد المعبأة لفائدة الحسابات المرصدة لأمور خصوصية، بقدر ما تتعلق بمدى مواكبة وتيرة تنفيذ النفقات لتنامي الإمكانيات التمويلية المتاحة، مع اختلاف طبيعة الالتزامات والبرامج بين حساب وآخر، ما يجعل تحسين البرمجة المالية وتتبع إنجاز المشاريع وقياس نتائج الإنفاق عناصر أساسية لتعزيز نجاعة هذه الآلية، وضمان ترجمة الموارد المتراكمة إلى تدخلات عمومية تحقق الأهداف التنموية والاجتماعية المخصصة لها.
The post أرصدة مالية ضخمة تتراكم في الحسابات الخصوصية للخزينة دون صرف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس