كُتاب ومبدعون لـقنا: التحديات التي تواجه الكتاب العربي في أوروبا تتطلب تكامل الجهود
باريس في 02 نوفمبر /قنا/ بين الارتباط باللغة الأم والانخراط في فضاء ثقافي متعدد اللغات، تتشكل تجارب الكتاب العرب في أوروبا، حاملة ملامح الهوية والانتماء، ومستجيبة في الوقت ذاته لتحولات الواقع. ولا تقتصر هذه المعادلة على اختيار لغة الكتابة، بل تمتد إلى قضايا الترجمة والنشر والتوزيع، وقدرة الكتاب العربي على الوصول إلى المكتبات والقراء، فضلا عن دور المؤسسات الثقافية والملتقيات الأدبية في بناء جسور التواصل بين المبدعين العرب ونظرائهم الأوروبيين. وتزداد أهمية هذه القضايا في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي العالمي، وما تتيحه وسائل النشر الحديثة من فرص، وما تفرضه في الوقت نفسه من تحديات.وفي هذا الإطار، أتاحت اللقاءات الثقافية، ومنها المنتدى الدولي الثالث للكتاب العربي في باريس، فرصة لتبادل الرؤى حول واقع الكتاب العربي في أوروبا، والتحديات التي تواجه المبدعين في التعريف بأعمالهم وإيصالها إلى جمهور أوسع، فضلا عن بحث سبل تعزيز حضور اللغة العربية وآدابها في الفضاء الثقافي الأوروبي. وأكد عدد من الشعراء والكتاب والمبدعين والناشرين والمثقفين أن اللغة العربية تظل ركيزة أساسية للهوية ووعاء للذاكرة الثقافية، وأن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يتعارض مع الانتماء، بل يمكن أن يثري التجربة الإبداعية ويوسع آفاقها. وأجمعوا، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن تجاوز العقبات التي تواجه الكتاب العربي في المهجر يتطلب تكامل الجهود بين المبدعين والناشرين والمؤسسات الثقافية، والعمل على تحسين فرص النشر والتوزيع والتعريف بالأعمال الأدبية، إلى جانب إقامة علاقات مستدامة مع القراء في البيئات متعددة اللغات. وفي هذا الصدد، رأى الكاتب علي المرعبي، رئيس الملتقى الدولي للكتاب العربي في فرنسا، أن حضور الكاتب العربي في أوروبا يرتبط بقدرته على التعبير عن هويته والانفتاح في الوقت ذاته على البيئة الثقافية التي يعيش فيها، مشيرا إلى أن اللغة العربية تظل عنصرا أساسيا في صون الذاكرة والانتماء، حتى عندما تتعدد اللغات التي يتعامل بها المبدع في حياته اليومية أو في تجربته الأدبية. وأوضح أن التفاعل مع القارئ الأوروبي يتيح فرصة للتعريف بالأدب العربي وتقديم تجاربه بعيدا عن الصور النمطية، مؤكدا أن الحوار الثقافي ينبغي أن يقوم على التعارف المتبادل، بحيث تتاح للثقافة العربية فرصة عرض منجزها الأدبي والفكري، والتفاعل مع الثقافات الأخرى دون التخلي عن خصوصيتها.ورأى أن تعزيز حضور الكتاب العربي في فرنسا وأوروبا يحتاج إلى مبادرات تفتح أمامه منافذ للنشر والتعريف والتواصل، وتمنح القارئ فرصة اكتشاف تنوع الأدب العربي وغناه. من جانبه، أكد بوبكر العيادي الكاتب والمترجم التونسي المقيم في باريس، أن اللغة ليست أداة محايدة لنقل الأفكار فحسب، بل تسهم في تشكيل طريقة التفكير والتعبير، الأمر الذي يجعل اختيار لغة الكتابة قرارا يتصل بالتجربة الإبداعية نفسها، ولا يمكن اختزاله في مسألة الوصول إلى جمهور أوسع.وأشار إلى أن الكتابة بلغة أخرى قد تفتح أبوابا جديدة أمام المبدع العربي، لكنها تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين اللغة والهوية، ومدى قدرة الكاتب على نقل خبرته الثقافية إلى قارئ ينتمي إلى سياق مختلف. فالمسألة، بحسب رؤيته، لا تتعلق باللغة المستخدمة وحدها، وإنما بما يحمله النص من تجربة ورؤية ووعي بالعالم.وأضاف أن الصعوبات لا تنتهي عند ترجمة الكتاب، بل تشمل نشره وتوزيعه والتعريف به، وهي مراحل تتطلب إمكانات وقنوات وصول إلى القراء. واعتبر أن تجاوز هذه العقبات يستدعي التعامل مع الكتاب العربي باعتباره جزءا من المشهد الثقافي العالمي، وإيجاد آليات عملية تضمن حضوره على أساس قيمته الأدبية، لا الاكتفاء بالاهتمام المحدود.بدوره، رأى الدكتور فيصل جلول، باحث في أكاديمية باريس للجيوبوليتيك، أن الهوية تمثل أساسا مهما للإبداع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز يمنع الكاتب من الاستفادة من التجارب الإنسانية والفكرية الأخرى. وأوضح أن الانفتاح على الثقافات المختلفة يمكن أن يثري التجربة العربية ويمنحها أدوات جديدة للتعبير والتحليل، شرط ألا يقود إلى الذوبان أو التخلي عن الخصوصية الثقافية. وأشار إلى أن الترجمة ينبغي أن تقوم على مبدأ التبادل المتكافئ، بحيث لا يقتصر انتقال الأعمال والمعارف على اتجاه واحد، بل يتيح للثقافة العربية تقديم منجزها الفكري والأدبي إلى القارئ الأوروبي، كما يتيح للقارئ العربي الاطلاع على تجارب الثقافات الأخرى. وأكد أهمية تطوير المبادرات التي تجمع المثقفين العرب والأوروبيين، وتعزز الحوار حول الأدب والفكر والقضايا الإنسانية المشتركة، ورأى أن المنتديات واللقاءات الثقافية يمكن أن توفر منطلقا لهذا التفاعل، لكنها تحتاج إلى متابعة عملية تشمل الترجمة والنشر والتعاون بين المؤسسات، حتى يتحول التواصل من مناسبة عابرة إلى علاقة ثقافية مستمرة ومثمرة. أما حياة قاصدي كاتبة وشاعرة جزائرية مقيمة في مرسيليا بفرنسا، فاعتبرت أن الكتاب العربي يمثل جسرا للتواصل بين الثقافات، وأن وجوده في المهجر يمنح المبدعين فرصة للتعريف باللغة العربية وتجارب المجتمعات التي أنتجتها، لا سيما لدى الأجيال الشابة التي تنشأ في بيئات تتعدد فيها اللغات والانتماءات. وأوضحت أن الحفاظ على العلاقة باللغة الأم لا ينبغي أن يطرح بوصفه بديلا عن الاندماج في المجتمع المضيف، بل بوصفه عنصرا يثري شخصية الفرد ويمنحه قدرة أوسع على فهم ذاته والآخرين.ولفتت إلى أن النشر الإلكتروني يتيح فرصا لتجاوز بعض القيود الجغرافية والتقنية والوصول إلى جمهور أوسع، لكنه لا يلغي أهمية التوزيع التقليدي أو الحاجة إلى بناء علاقة مستدامة مع القراء. ورأت أن توسيع حضور الكتاب العربي يتطلب إتاحة مساحة أكبر للشعر والرواية والقصة والفكر والإبداع المعاصر، حتى يتعرف الجمهور إلى الثقافة العربية في تعددها. وخلصت إلى أن تعزيز حضور الكتاب العربي في المهجر لا يتحقق بجهد فردي أو فعالية منفردة، بل يحتاج إلى رؤية طويلة المدى تربط الإنتاج الأدبي بآليات النشر والتوزيع والتعريف، وتمنح المبدعين فرصا حقيقية للتواصل مع جمهور متعدد اللغات والخلفيات، بما يجعل الكتاب أحد المسارات المهمة لبناء جسور ثقافية متينة، وتعريف الآخر بالعالم العربي من خلال أدبه وأفكاره وتجارب أبنائه.
المصدر: وكالة الأنباء القطرية