أفلام رائعة في مهرجان الجونة عن أحوال المرأة في عالم مرتبك
نشر في: 29 أكتوبر, 2026: 12:03 ص قيس قاسم أفلام عدة معروضة في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي ( 15 ـ 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، تقف المرأة في مركزها، والمؤلم فيها أنها لا تتحكم بمصيرها، لأسباب وعوامل خارجة عن إرادتها، مثل المرض في فيلم "ملكة البحر" للمخرج البريطاني لانس هامر، وفيه يقدم صورة موجعة لامرأة عجوز تعاني من مرض الزهايمر وبسببه تتعرض عائلتها لتمزقات تنتهي بقتل الرجل الذي يحبها دون قصد منها. مثلها وفي معالجة مختلفة نرى النمساوية "روز" و"حليمة" المغربية، تواجهان نفس المصير الدراماتيكي رغم التباعدين الجغرافي والتاريخي بين حكايتيهما وحكاية المرأة العجوز في "ملكة البحر". المشتركات تولّد مقاربة، عنوانها: سؤال المرأة. والأبرز فيهما سيكون الأغرب، فالحكايات تدور حول نساء تجاوزن على القانون، ويرتكبن أفعالاً يحاكَمن عليها جنائياً. مع ذلك، هناك سؤال مُبطّن تطرحه النصوص الثلاثة عن تجاهل الأسباب التي تدفع النساء إلى ارتكاب الفعل المُدان، وعدم إيلاء أهمية للظرف التاريخي الذي يحدث فيه. في الأفلام الثلاثة يدقق كتاب نصوصها في السؤال، ويشتغلون على تضمينه في المسار الدرامي للمنجز السينمائي، هذا يظهر بصورة جلية في منجز المغربي ياسين الإدريسي، الذي يُضَمّن حكاية "حليمة" (2026) السؤال نفسه، ويجسّده سينمائياً عبر حكاية امرأة عجوز تقيم في كوخ بسيط مع زوجها، قرب ساحل بحري. على ما تجمعه من بلح البحر يعيشان حياة هادئة. شظف العيش وضعف البصر لا ينغّصان وجودهما في فضاء رحب، مفتوح لا تحدّه حدود. المكالمة القصيرة، التي تصلها، تخرّب تماسك حياتها، وتُعيد ماضيها مجدّداً، بعدما ظنّت أن جريمة القتل التي ارتكبتها طمرها الزمن، ونُسيت.النمساوي ماركوس شلاينزر يعود، بـ"روز" (2026)، إلى ألمانيا لحظة انتهاء حرب الـ30 عاماً (1618 ـ 1648)، ويكتب نصّه السينمائي عن الجندية روز، التي انتحلت شخصية جندي ألماني سقط في إحدى المعارك، وادّعت ـ بعد تنكّرها بثياب رجل أمام سكان قرية معزولة ـ أنّها الجندي نفسه الذي نجا من الموت في الحرب، وأن تشوّهاً تعرّض له وجهه جرّاء رصاصة اخترقته، وأن لديه وثائق تثبت ملكيّته الأرض والمنزل المشيّد فوقها. وأنه، بعد إصلاحه، يريد الإقامة فيه، والعيش بينهم بصفته واحداً منهم. افتضاح أمره/أمرها بعد الزواج من امرأة يُعرّضهما لأقسى الأحكام: الإعدام بقطع الرأس.تنقل المكالمة التلفونية حكاية حليمة (أداء رائع للممثلة خديجة عماري) من البحر إلى الجبل، في استرجاع زمني (فلاش باك) إلى بيتها في موقع جبلي معزول، تتنازع على أحقية البقاء فيه مع الجهات الرسمية. بعد وفاة زوجها، لم يبقَ لها سقف فوق رأسها سواه. طردُها منه يعني تشريدها في العراء. ولأنها وحيدة، تجد نفسها مُجبرة على العمل وسيطةً بين مهرّبي القنب. بيتها يضحي محطة استراحة للمهرّبين القادمين من البحر إلى أعالي الجبال. مهمتها توفير بعض الراحة لهم ولبغالهم. يقدّمها النص (كتابة الإدريسي نفسه) بصفتها شخصية قوية صارمة، تعرف التعامل مع أجهزة اللاسلكي بمهارة، تراقب تحرّكات المحيطين بها بحذر شديد. حاستها الأنثوية اليقظة تميّز بين الشرير والطيب. تُعامِلُ هاوياً للموسيقى، تورّط في عمليات التهريب، بحنيّة. تدافع عن بيتها بشراسة، تصل إلى حدّ قتل اللص الذي أراد سرقة ما تجنيه من مال قليل، بمجازفات وصعوبات تعامل مع أصناف بشر عابرين. بين مراجعات المحامين، وإنذارات إخلاء المنزل، التي تصلها من موظفي الحكومة، تعيش المرأة بقلق دائم.عن طريق حليمة، يدخل نص الإدريسي إلى سؤال المرأة المغربية. وعن طريق زراعة القنب في المغرب وتهريبه، يُعالَج سينمائياً سؤال غير مألوف، لقلة المتقدّمين إلى البحث فيه من زاوية تنشد بحثاً عن الظروف التي تجبر الناس، خاصة النساء، على الدخول إليه. المؤكّد أن هناك معالجات لظاهرة التهريب، لكنها غالباً تأخذ طابع الإثارة والتشويق، وغالباً يكون الرجال في مركزها. وهذا على عكس "حليمة"، فبطلته لم تختَر العمل مع المهرّبين، بل العوز والفقر دفعاها إلى ذلك. وبدلاً من حصولها على معونة من جهات رسمية، تغنيها عن التورّط بفعل يحاسب عليه القانون، تجد نفسها في صراع معها.لا يقدّم النص السينمائي الأفكار والأسئلة الإشكالية على الاشتغال الجمالي، بل يتركها تتسرّب إليه في سياق الحدث الدرامي، وهذا يجعله منجزاً سينمائياً يشابك الاقتصادي بالسياسي، في إطار السرد السينمائي الحصيف. لا يبرّر "حليمة" تصرّف بطلته، لكنه يدعو إلى النظر بمسؤولية إلى الدوافع والظروف التي تجعلها امرأة خارجة عن القانون.يكاد السؤال نفسه يُطرح في مشهد محكمة روز، التي مثّلتها الألمانية ساندرا هولر بأداء مذهل. لم يسأل أحد من رجالات القضاء، في محاكمتها الصُورية، عن الدوافع والأسباب التي تجبر امرأة على انتحال شخصية رجل، وهل سيكون خيارها نفسه لو أن الحرب لم تنشب وتطُل عقوداً. لو لم تخضع للأعراف القروية، السائدة في القرن الـ17، هل كان لزاماً عليها الزواج؟ ولولا الضغط العائلي عليها، هل كانت ستفكر بطريقة مخادعة، للإتيان بطفل، بعد مرور وقت على زواجها؟تلك الأسئلة تتوارد في الذهن بعد المُشاهَدة. هذا يجعل نص شلاينزر أكثر تأثيراً. جمالياً، يجعله منجزاً سينمائياً، يضع الاعتبارات الفنية في مقدمة الأولويات، رغم غرائبية الحكاية وتعقيداتها الكافية، للتركيز عليها. لذا، اختار له اللونين الأسود الأبيض للتعبير عن مناخاته السوداوية، الداعية إلى إعادة النظر بالموقف من امرأة، لم تترك لها الحرب خياراً سوى التحايل، بصفته طريقاً إلى النجاة من مصير، لا أحد يكترث به بعد انتهاء الحروب. بين الأفلام الثلاثة المرأة وأحوالها مشتركٌ كونيّ المضمون، تؤدي بطلتاها أدواراً رائعة لا تُنسى. تواصل معنا عبر
المصدر: المدى