أشرعة "صَحار" تعود إلى بكين في زمن استقطاب المَمرات؟
حمد الناصري في محطة دبلوماسية بارزة تشكل منعطفاً تاريخياً غير مَسبوق، بدأ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم زيارة دولة رسمية إلى جمهورية الصين الشعبية، تلبيّةً لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ. هذه الزيارة، وهي الأولى لجلالته منذ توليه مقاليد الحُكم والأولى لعاهل عُماني منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين، لا يُمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المُتسارعة التي تعصف بالمنطقة والعالم. إنها زيارة تتجاوز الأبعاد التقليدية المُتمثلة في توقيع مذكرات التفاهم؛ لتضع أسس شراكة استراتيجية راسخة تبنى على جغرافيا عُمان السياسية الفريدة، وحاجة الصين الوجودية لتأمين إمداداتها من الطاقة في وقت تهتز فيه ممرات الملاحة العالمية تحت وطأة الاستقطاب الدولي. ويأتي توقيت هذه الزيارة بالتحديد ليحمل دلالات استراتيجية عميقة للطرفين، حيث تتزامن مع توترات مُستمرة وحالة إغلاق يُواجهها مضيق هرمز على خلفية الصراع الإقليمي والدولّي المحتدم. هذا الصراع كشف لبكين بوضوح ثقل الجغرافيا العُمانية؛ فالصين التي تعتمد على هرمز لمرور نحو 40% من وارداتها النفطية، ترى في سلطنة عُمان "صمام الأمان" البديل، كونها تملك موانئ ومنشآت تصدير عملاقة، مثل الدقم وصلالة وصَحار، تقع بالكامل خارج مُضيق هرمز وتطل مباشرة على البحار المفتوحة والمحيطات العميقة. ولم تعد عُمان في هذه الزيارة تبحث عن مجرد استثمارات عابرة، بل تأتي وهي في موقف تفاوضي قوي جداً مَسنودة بفوائض مالية مريحة وانخفاض حاد في الدّين العام، مما جعلها تشترط لتوقيع اتفاقياتها محتوى محلياً، وتوطيناً للمعرفة، وتوفير وظائف حقيقية للعُمانيين وفقاً لـ "رؤية عُمان 2040". كما أنّ الزيارة تواجه واقعاً صينياً جديداً يشهد هبوطاً تدريجياً في الطلب الداخلي على النفط التقليدي بسبب التوسع الهائل في السيارات الكهربائية، ولذلك كان لزاماً على مسقط وبكين تحويل الشراكة القائمة على برميل النفط وحده إلى شراكة مستدامة تشمل الهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية. وتستند القوة المُتنامية للعلاقة العُمانية الصينية إلى أرضية صلبة من الروابط المشتركة والإرث التاريخي والحضاري، فالجذور مُمتدة لأكثر من 1200 عام منذ أن أبحرت السفينة العُمانية "صَحار" بقيادة البحار أبو عبيدة إلى الموانئ الصينية، مروراً برحلات الأسطول الصيني التاريخي "تشنغ خه" الذي خلدت عُمان ذكراه بنصب تذكاري في ظفار. إنّ أبو عبيدة، عبد الله بن القاسم بن سابور نشأ في قرية بَسْيَا التابعة لولاية بُهلا التاريخية العريقة، لُقّبَ في كتب السير والتاريخ العُماني بـ "أبي عبيدة الصغير" (تمييزاً له عن شيخه وأستاذه الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة). ورغم أنه وُلِد في أعمق الداخل العُماني إلا أن رحلته البحرية التاريخية الشهيرة إلى الصين عام 133 هـ (750م) انطلقت وتأهّبَت من ميناء ولاية صَحار، والتي كانت تمثل العاصمة الاقتصادية والمركز التجاري البحري لعُمان في ذلك الوقت، حيث لم تكن مجرد ميناء، بل دهليزاً ملاحياً عالمياً وعقيدة سيادية استشرفت مسارات الموج. وقد دوّنَ الإمبراطور الصيني "شينزونغ" اسمه في السجلات الرسمية بلقب استثنائي تعظيماً لأمانته وأخلاقه في التجارة وهو "جنرال الأخلاق الطيبة". ومن ذلك الزمان، تتمدد الأخلاق العُمانية الرصينة ليستدعي بها الزمن الحالي شُموخ السّمت العُماني بمهابته الجيوسياسية الراسخة؛ لتُثبت مسقط مجدداً أنها دولة موثوقة لدى الجميع؛ فجلالة السلطان يزور بكين مُتبعاً منهجاً عُمانياً حكيماً يُوزع العلاقات بين مراكز القوى شرقاً وغرباً دون جعل إحداها بديلاً عن الأخرى، ومدعوماً بأرقام اقتصادية واقعية وضخمة حيث تُعَد الصين الشريك التجاري الأكبر للسلطنة والمستورد الأول لنفط عُمان الخام. إنّ الحاضر الصيني في منطقة الخليج وبحر عُمان العميق ومُحيطها الشرقي العظيم ، لم يَعُد يقتصر على كونه شريكاً تجارياً يشتري السلع ويرحل، بل أصبح شريكاً استراتيجياً يبحث عن دور يضمن انسيابية شريان حياته الاقتصادي. وتتمتع بكين بعلاقة وثيقة وشراكة استراتيجية مع طهران تُتيح لها كلمة مسموعة هناك، وفي ظل أزمة هرمز، تبرز الحاجة إلى دولة مثل عُمان يثق بها الجيران وتثق بها إيران لتلتقي مع التوجه الصيني الساعي إلى تهدئة الأوضاع وحماية الممرات البحرية عبر الطرق الدبلوماسية. ومن هنا، يبرز ثُقل الصين كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لدعم المبادرات العُمانية الهادفة لإنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة وحماية الخدمات في مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة، وتجنيب الممر الدولي صراع القوى العظمى. خُلاصة القول: لقد عادت أشرعة التبادل بين مسقط وبكين ولكن وفق آليات وتحدّيات العصر الجديد، حيث ترى الصين في الموانئ العُمانية المطلة على البحار المفتوحة والتي هي مصبّ البحار العميقة ركيزة أساسية لـ "طريق الحرير البحري"، بينما ترى عُمان في ذلك فرصة لإنشاء مجمعات صناعية متكاملة وسلاسل توريد متطورة على أرضها. إن زيارة السلطان هيثم بن طارق لبكين أكدت أنّ الجغرافيا العُمانية والثقة السياسية العالمية التي تتمتع بها السلطنة هُما أثمن ما تُقدمه لعالم مُضطرب، وبالمقابل، فإن نجاح هذه الشراكة التاريخية لن يُقاس بعدد مذكرات التفاهم الموقعة، بل بما سيُبنى على الأرض العُمانية من صناعات مبتكرة، ومعرفة تقنية، وفرص عمل مستدامة لأبناء هذا الوطن الذين يرقبون أشرعتهم وهي تصنع التاريخ مجدداً.
المصدر: الرؤية