هل جعلت التكنولوجيا كرة القدم أكثر عدالة أم أكثر جدلاً؟
لم تعد كرة القدم محكومة بقرارات الحكم وعينيه فقط، بعدما دخلت التكنولوجيا إلى المستطيل الأخضر لتعيد رسم العلاقة بين القانون والعدالة وسرعة اللعب. فمن تقنية خط المرمى إلى حكم الفيديو المساعد (VAR)، وصولاً إلى نظام التسلل شبه الآلي، باتت القرارات التحكيمية تستند إلى أدوات أكثر دقة، لكن الجدل لم يختفِ، بل اتخذ أشكالاً جديدة. فهل نجحت التكنولوجيا في تقليص الأخطاء، أم أنها نقلت الخلاف من أرض الملعب إلى غرف المراجعة والشاشات؟
من خط المرمى إلى غرفة الفيديو
شكّلت تقنية خط المرمى إحدى أبرز الخطوات نحو حسم الحالات التي يصعب على الحكم تقديرها بالعين المجردة. وتعتمد هذه التقنية على أنظمة تكنولوجية تحدد ما إذا كانت الكرة قد تجاوزت خط المرمى بالكامل، لتصدر إشارة فورية إلى ساعة الحكم. وبذلك، ساهمت في إنهاء جانب من الجدل المرتبط بالأهداف التي يصعب الجزم بصحتها، من دون إيقاف المباراة لفترات طويلة.
أما حكم الفيديو المساعد، الذي انتشر في أبرز المسابقات الدولية والمحلية، فقد وسّع نطاق التدخل التكنولوجي ليشمل حالات محددة، أبرزها الأهداف، وركلات الجزاء، والبطاقات الحمراء المباشرة، وحالات الخطأ في تحديد هوية اللاعب المعاقَب. ولا يُفترض أن يراجع النظام كل مخالفة أو قرار، بل يتدخل عندما يُشتبه بوقوع خطأ واضح وجلي أو حادثة خطيرة لم يتنبه إليها الحكم.
ومع ذلك، لم يؤدِّ وجود الفيديو إلى إنهاء النقاش حول القرارات التحكيمية. فالصورة قد تكشف مكان المخالفة وتوقيتها، لكنها لا تحسم دائماً تفسير القانون، خصوصاً في حالات لمسة اليد، وشدة الاحتكاك، وما إذا كان التدخل يستحق ركلة جزاء أو بطاقة حمراء. هنا، يبقى القرار مرتبطاً بتقدير الحكم وتفسيره للقانون، حتى عندما تتوافر أمامه زوايا تصوير متعددة.

التسلل شبه الآلي... دقة أكبر وأسئلة مستمرّة
يمثّل نظام التسلل شبه الآلي تطوّراً إضافياً في استخدام التكنولوجيا، إذ يعتمد على كاميرات متخصصة وبيانات تتبع اللاعبين والكرة لتحديد مواقعهم لحظة التمرير، ثم إنشاء تصوّر ثلاثي الأبعاد يساعد في تقييم الحالة. وقد ساهم هذا النظام في تسريع حسم عدد من قرارات التسلل المعقدة، وتقليل الاعتماد على رسم الخطوط يدوياً.
لكن وصف النظام بأنه "شبه آلي" مهم في ذاته؛ فهو لا يعني الاستغناء الكامل عن العنصر البشري، إذ يبقى التحقق من بعض تفاصيل الحالة واعتماد القرار النهائي من ضمن الإجراءات التحكيمية. كما أنّ دقة القياس لا تلغي الأسئلة المتعلقة بتحديد لحظة التمرير، أو الجزء القانوني من الجسم الذي يُحتسب في التسلل، أو كيفية شرح القرار للجمهور.
وفي الحالات التي يُحسم فيها التسلل بفارق ضئيل للغاية، قد تبدو النتيجة غير منسجمة مع إحساس المشجع بما حدث على أرض الملعب، حتى لو استند القرار إلى القياسات المعتمدة.
عدالة أكبر... لكن بأي ثمن؟
تتمثل أبرز فوائد التكنولوجيا في تقليص بعض الأخطاء المؤثرة، ومنح الحكام فرصة لتصحيح قرارات قد تغيّر نتيجة مباراة أو مسار بطولة. كما يمكن أن تعزز الثقة بالتحكيم، خصوصاً عندما يُشرح القرار بوضوح ويُعرض للجمهور بطريقة مفهومة.
في المقابل، يثير استخدامها انتقادات تتعلق بتقطيع إيقاع المباريات، وطول فترات الانتظار، والاحتفالات التي تتوقف إلى حين مراجعة الهدف. كذلك، لا تتاح الإمكانات التكنولوجية نفسها بالضرورة في كل البطولات والدرجات، ما يطرح تساؤلات حول تكافؤ الظروف بين الفرق.
وثمة مشكلة أخرى تتمثل في التواصل. فحين ينتظر اللاعبون والجمهور قراراً من دون معرفة سبب المراجعة أو المدة التي ستستغرقها، يتحوّل النظام الذي يفترض أن يعزز الشفافية إلى مصدر إضافي للتوتر. لذلك، لا ترتبط الثقة بالتكنولوجيا وحدها، بل أيضاً بوضوح البروتوكولات، واتساق تطبيق القوانين، وقدرة الحكام على تفسير قراراتهم.
هل حسمت التكنولوجيا الجدل؟
لم تجعل التكنولوجيا كرة القدم خالية من الأخطاء أو الخلافات، لكنها غيّرت طبيعة القرارات التي يمكن مراجعتها، ورفعت مستوى الدقة في حالات محددة. فهناك فرق بين خطأ يمكن قياسه، مثل تجاوز الكرة خط المرمى، وحالة تحتاج إلى تفسير، مثل تقدير شدة الاحتكاك أو تعمد لمس الكرة باليد.
في النهاية، لا يكمن التحدي في إدخال مزيد من التقنيات بقدر ما يكمن في استخدامها من ضمن قواعد واضحة، مع الحفاظ على انسيابية اللعبة وشرح القرارات للجمهور. فالتكنولوجيا أداة لمساعدة الحكم، وليست بديلاً من مسؤوليته. وقد تصبح كرة القدم أكثر عدالة بفضلها، لكن الوصول إلى هذه العدالة يتطلب أن تكون القرارات دقيقة، والإجراءات شفافة، وتطبيق القانون متسقاً، حتى لا تتحوّل كل مراجعة إلى جدل جديد.
المصدر: النهار