صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: أبعاد زيارة السلطان هيثم إلى الصين وأفاق الشراكة الاستراتيجية
بقلم : صادق بن محمد سعيد اللواتي تُعد الزيارة التاريخية لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى جمهورية الصين الشعبية استثنائية في توقيتها ومضمونها. فهي ليست مجرد حدث دبلوماسي معاصر، بل هي امتداد لعلاقة تاريخية راسخة وعميقة الجذور بين البلدين الصديقين، وتأكيد على رغبة عُمان الواعية في توسيع خياراتها في عالم يعيد تشكيل موازين القوى والاقتصاد.لا تبدأ العلاقة بين عُمان والصين بأتفاقيات حديثة، بل تعود إلى أكثر من اثني عشر قرناً. فقد كانت موانئ عُمان التاريخية، مثل صحار وقلهات ومسقط بمثابة قواعد لأمهر البحارة والتجار العمانيين، الذين وصلوا بفضل براعتهم وشجاعتهم ،إلى موانئ جنوب الصين منذ قرون. وتشهد المصادر التاريخية الصينية والعربية على وجود جاليات وتجار عمانيين مقميمين في الصين، مثل التاجر العماني الشهير "عبد الله العماني" خلال عهد أسرة سونغ، الذي نال تقدير الإمبراطور الصيني لإسهاماته الجليلة.أبحرت السفن العمانية إلى الصين محملة باللبان والتمور وعادت محملة بالبضائع الصينية في قلب المحيط الهندي، عابرة طريق الحرير، الذي لم يكن مجرد ممر للبضائع التجارية، بل كان جسراً للتفاعل الثقافي والإنساني الفكري.تأسست العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين سلطنة عمان والصين عام 1978م، ومنذ ذلك الحين اتسمت السياسة الخارجية العمانية تجاه بكين بالثبات والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لطالما نظرت الصين إلى سلطنة عمان باعتبارها ركيزة أساسية للأمن والاستقرار في منطقة الخليج وممراتها المائية الاستراتيجية، بينما ترى مسقط في بكين شريكاً دولياً موثوقاً يحترم سيادة الدول ويدعم قضايا السلام والتعاون الدولي.تُعد الصين حالياً أكبر شريك تجاري لسلطنة عمان، وتظهر الأرقام بوضوح عمق هذه العلاقة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين مستويات مبهرة، متجاوزًا 9.6 مليار ريال عماني، مما أسفر عن فائض كبير لصالح سلطنة عمان، وهو ما يعكس قوة الصادرات العمانية.تصدر سلطنة عُمان النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والمنتجات البتروكيماوية إلى الصين، بينما تستورد الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية ومنتجات الحديد والصلب والخلايا الشمسية والمنتجات التقنية.تشهد الاستثمارات الصينية المباشرة في السلطنة نمواً متصاعداً، لا سيما في المناطق الصناعية واللوجستية مثل منطقة الدقم، مما يدعم جهود التنويع الاقتصادي ضمن "رؤية عمان 2040".تأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، ومن المتوقع أن تحقق النتائج الاستراتيجية التالية:الانتقال من مجرد التبادل التجاري التقليدي، النفط والسلع، إلى إقامة مشاريع نوعية مشتركة في قطاعات الطاقة المتجددة، التكنولوجيا الحديثة، والنقل واللوجستيات.تعزيز التقارب بين استراتيجية الصين الاقتصادية المالية ورؤية عمان الوطينة، لجعل الموانئ العمانية محطة رئيسية لسلاسل التوريد العالمية.تبادل وجهات النظر حيال أمن والاستقرار في الشرق الأوسط، حيث تلعب عمان دور الوسيط الحكيم، بينما ترى الصين في الاستقرار الإقليمي مصلحة استراتيجية كبرى لخطوط تجارتها وطاقاتها.إن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى الصين تعيد إحياء روح "طريق الحرير" بصيغة معاصرة تتناسب مع معطيات القرن الحادي والعشرين. إنها قراءة واعية لمتغيرات العالم، وتأكيد على أن عمان، التي ربطت الشرق والغرب بالبحار والتجارة عبر التاريخ، ماضية بثبات في بناء شراكات ذكية تخدم حاضر أجيالها ومستقبلهم.
المصدر: الشبيبة