كيف أصبح أنتونيلي أصغر بطل في تاريخ «فورمولا 1»؟
لم يكن تتويج الإيطالي كيمي أنتونيلي بلقبه العالمي الأول في بطولة العالم لسباقات «فورمولا 1» مجرد إنجاز استثنائي لسائق يبلغ 20 عاماً، بل محطة تاريخية جعلته أصغر بطل للعالم في تاريخ البطولة، بعدما قدّم موسماً تجاوزت فيه مستوياته توقعات الجميع، بمن فيهم أبرز منافسيه من أبطال العالم. وحظي أنتونيلي بإشادة استثنائية من اثنين من أبرز نجوم البطولة، البريطاني لويس هاميلتون والهولندي ماكس فيرستابن، اللذَين وصفا إنجازه بـ«الرائع»، وذلك عقب تتويجه باللقب واقتسامه منصة التتويج في جائزة مكسيكو سيتي الكبرى معهما. وحملت الصورة التي جمعت السائقين الثلاثة دلالة خاصة، إذ ضمت 12 لقباً عالمياً، في مشهد احتفى بظهور بطل جديد في عالم السباقات. وقال أنتونيلي، وفقاً لشبكة «بي بي سي» البريطانية، إنه سيحتفظ بصورة منصة التتويج ويضعها في منزله، معتبراً أن الحصول على هذا القدر من الاحترام من سائقَين صنعا تاريخ الرياضة يمثّل لحظة استثنائية ستظل عالقة في ذاكرته. وجاء اللقب تتويجاً للتطور الكبير الذي حققه السائق الإيطالي خلال موسمه الثاني فقط في «فورمولا 1». وكان انضمامه إلى فريق «مرسيدس» في العام الماضي، خلفاً لهاميلتون، قد أثار تساؤلات بشأن مدى جاهزيته، خصوصاً أنه لم يكن يمتلك الخبرة الكافية لمنافسة أبرز سائقي البطولة. ولم تكن بدايته سهلة، إذ شهد موسمه الأول بعض الومضات الإيجابية، لكنه عانى أيضاً التذبذب والأخطاء، ولم يقدم المستوى الذي كان منتظراً من موهبة اعتُبرت مرشحة لتكون أحد أبرز نجوم الجيل الجديد. ومع دخول الموسم الحالي، كانت التوقعات تصب في مصلحة زميله البريطاني جورج راسل، الذي تفوّق عليه بوضوح في 2025، خصوصاً مع امتلاك «مرسيدس» سيارة قادرة على المنافسة على اللقب. لكن أنتونيلي فاجأ الجميع بالقفزة الكبيرة التي حققها خلال فترة التوقف الشتوية. فقد أنهى السباق الافتتاحي قريباً من راسل، قبل أن يحقق فوزه الأول في الجولة الثانية، ليبدأ سلسلة من خمسة انتصارات متتالية وضعته في صدارة المنافسة على اللقب. ومنذ ذلك الحين، حافظ على حضوره القوي، حتى بعدما تقلص التفوق الفني لـ«مرسيدس» مع تطور أداء الفرق المنافسة. ولم تقتصر قوة أنتونيلي على سرعة السيارة، بل برزت قدرته على التعامل مع الضغوط وتجنّب الأخطاء الكبيرة، إلى جانب تفوقه على زميله الأكثر خبرة. وفي المقابل، لم يتمكن راسل من مجاراته في سباق اللقب، وهو ما جعل الموسم يتحول إلى قصة تفوق سائق واحد، بعدما نجح الإيطالي في حسم المنافسة بدرجة كبيرة. وأشاد فيرستابن بمستوى السائق الشاب، قائلاً إن قدرته على تقديم أداء مستقر في هذا العمر، وتجنب الأخطاء الكبيرة، والتفوق على زميله صاحب الخبرة، أمور تؤكد أنه قدم موسماً استثنائياً، معرباً عن فخره بالطريقة التي تعامل بها مع مختلف ظروف البطولة. بدوره، قال البريطاني لاندو نوريس، بطل العالم السابق، إن اللقب ذهب إلى الشخص المناسب، مشيراً إلى أن أنتونيلي يتمتع بشخصية صادقة وطيبة، وقدّم مستويات أفضل بكثير مما كان متوقعاً منه. وأضاف أن السائق الإيطالي واجه منافسة قوية من أفضل سائقي العالم، لكنه نجح في التفوق عليهم، بل جعل الآخرين يبدون وكأنهم أقل مستوى أمام أدائه. وأكد نوريس أن أنتونيلي عمل بجد لفهم سيارته والتأقلم معها، واستطاع استغلال إمكاناتها بصورة أفضل من أي سائق آخر، داعياً إلى منحه التقدير الذي يستحقه على ما حققه هذا الموسم. من جانبه، يرى البريطاني دامون هيل، بطل العالم عام 1996، أن أنتونيلي مرشح لمواصلة التطور خلال السنوات المقبلة، مؤكداً أن موهبته الاستثنائية لا يمكن التشكيك فيها، رغم أن مسيرته ستشهد بالتأكيد فترات صعبة واختبارات جديدة. واعترف أنتونيلي بأن الصعوبات التي واجهها في موسمه الأول كانت عاملاً أساسياً في نضجه، بعدما شكّك البعض في أحقيته بالوجود في «فورمولا 1» وعدم جاهزيته للمنافسة على أعلى المستويات. وقال إن المرور بتلك الظروف الصعبة واللحظات التي شهدت ضغوطاً كبيرة جعله أكثر استعداداً للموسم الحالي، وساعده على النضج سائقاً وشخصاً. وأضاف أن وجوده مباشرة في «مرسيدس»، تحت الأضواء والضغوط، أسهم في تسريع تطوره مقارنة بما كان سيحدث لو بدأ مسيرته مع فريق أصغر. ولم يخلُ طريقه إلى اللقب من التوتر، إذ أقر بأنه لم يقدم أفضل مستوياته في التجارب التأهيلية بجائزة المكسيك الكبرى، بعدما شعر بضغط اللحظة، مشيراً إلى أنه كان أكثر اندفاعاً وتركيزاً خلال سباق أوستن، مقارنة بما حدث في المكسيك. لكن تلك الضغوط لم تمنعه من الوصول إلى لحظة الحسم، التي وصفها بأنها كانت مؤثرة إلى حد أنه واجه صعوبة في الرؤية خلال اللفة الأخيرة، بعدما غلبته الدموع وهو يلاحق فيرستابن وهاميلتون نحو خط النهاية. وقال إنه خسر نحو ثانيتين بسبب بكائه وعدم قدرته على الرؤية بوضوح، مضيفاً أنه تمكن من تمييز سيارتي «فيراري» أمامه بصعوبة وسط دموعه، فيما استحضرت ذاكرته كثيراً من اللحظات التي قادته إلى هذا الإنجاز. وكان والداه، ماركو وفيرونيكا، في انتظاره عند نهاية السباق، بعدما لعبا دوراً مهماً في مسيرته نحو قمة رياضة المحركات. وأكد أن وجود والده إلى جانبه طوال الموسم كان بالغ الأهمية، خصوصاً أنه ساعده على الحفاظ على هدوئه بعد لحظات النجاح، وسانده خلال الفترات الصعبة التي لم يكن يشعر فيها بأفضل حالاته قبل السباقات. وفي المؤتمر الصحافي للأبطال، لم يتمالك أنتونيلي دموعه مجدداً عندما تذكر جده الراحل، واضطر إلى التوقف لبعض الوقت حتى يستعيد تماسكه قبل مواصلة الحديث. وكانت لحظة إنسانية اختزلت حجم المشاعر التي رافقت تتويجه، في موسم لم يكتفِ خلاله بصناعة اسمه بين أبطال «فورمولا 1»، بل دخل التاريخ بوصفه أصغر من حمل لقبها العالمي.
المصدر: الشرق الأوسط