فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية
سيطرة الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسَي الكونغرس لا تعني بالضرورة أنهم سيتفقون على كيفية توظيفها في حال فوزهم. وخير دليل على ذلك الإحراج العلني الذي واجهه الحزب في ميشيغان، بعدما قررت المرشحة الديمقراطية هايلي ستيفنز تأييد الجمهوري مايك روجرز، بدلاً من مرشح حزبها الرسمي عبد الرحمن السيد. فستيفنز، التي حظيت سابقاً بدعم قيادات الحزب، خسرت الانتخابات التمهيدية أمام السيد، الذي تحفظت هذه القيادات عن تأييده بسبب مواقف لا ينسجم بعضها مع أجندة الحزب التقليدية. وها هي اليوم تتمرد على قيادات حزبها، مهددةً فعلياً حظوظه في انتزاع الأغلبية بمجلس الشيوخ، في ولاية تُعدّ أساسية لتحقيق هذا الهدف. وقد تعني خسارة ميشيغان أن على الديمقراطيين انتزاع خمسة مقاعد من الجمهوريين لضمان الأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ، ومن شأن عدم توحيد الصفوف الحزبية خلف السيد أن يزيد مهمة الحزب صعوبة، ويعقّد مساعيه لقلب موازين القوى في المجلس. بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، سلّط قرار ستيفنز الضوء مبكراً على الانقسامات الداخلية التي قد يواجهها الحزب الديمقراطي في حال سيطرته على مجلسَي الكونغرس، والتي كانت قياداته تأمل تأجيل الخوض فيها إلى ما بعد الانتخابات. وتجلّت هذه الانقسامات خلال الانتخابات التمهيدية، مع بروز مرشحين تقدميين واشتراكيين يتبنّون أجندات بعيدة كل البعد عن التوجهات التقليدية للحزب. واليوم، يجمع مرشحي الحزب هدف واحد: مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلحاق الهزيمة بالجمهوريين في الانتخابات النصفية. لكن هذا الهدف المشترك قد لا يصمد أمام اختبار الفوز، حين ينتقل الديمقراطيون من موقع المعارضة إلى موقع الأغلبية التشريعية، وتطفو الخلافات بين أجنداتهم المختلفة إلى السطح. وحينها، ستجد قيادات الحزب نفسها أمام مهمة شاقة تتمثل في احتواء الانقسامات والتوفيق بين التيارات المتنافسة، خصوصاً إذا كانت الأغلبية التي يحققها الديمقراطيون ضئيلة في المجلسين، كما ترجّح التوقعات حتى الآن. يواجه زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، مهمة شاقة في احتواء الخلافات الداخلية، بعدما أظهرت التجارب التي سبقت الانتخابات صعوبة ضبطه التمرد داخل صفوف حزبه، على خلاف سلفه نانسي بيلوسي، التي عُرفت بقبضتها الحديدية على الكتلة الديمقراطية. وقد واجه جيفريز سلسلة من التحديات من الجناحين المعتدل والتقدمي في حزبه، بعدما صوّت ديمقراطيان معتدلان إلى جانب الجمهوريين لتسهيل تمرير أجندتهم، من دون إبلاغه أو التنسيق معه. ثم أثار غضب التقدميين برفضه خطتهم لتوفير الرعاية الصحية الحكومية للجميع، قبل أن يأتي لقاؤه مع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، ليصب الزيت على نار الخلافات مع هذا الجناح. وجميعها تطورات سبقت الانتخابات، فيما يُتوقع أن يزداد نفوذ التقدميين في الكونغرس الجديد، خصوصاً إذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة. وحينها، سيسعون إلى الدفع بأجندتهم التي تتضمن بنوداً يعارضها جيفريز، أبرزها تقليص تمويل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (أيس) وإلغاء بعض أنشطتها، فضلاً عن تقييد نقل الأسلحة الهجومية الأميركية إلى إسرائيل. ولعلّ الملف الأخير يجسّد عمق الانقسامات داخل الحزب، بعدما حضر بقوة في الحملة الانتخابية، وشكّل محوراً أساسياً للخلاف بين المرشحين في ميشيغان: هايلي ستيفنز الداعمة لإسرائيل، وعبد الرحمن السيد المعارض للسياسة الأميركية تجاهها. غير أن الخلافات لم تقتصر على المواقف الانتخابية، بل امتدت إلى التصويت داخل مجلس النواب، حيث أيّد 103 ديمقراطيين، في 15 يوليو (تموز) 2026، وقف مساعدات أميركية لإسرائيل، في خطوة شكّلت إحراجاً لجيفريز الذي صوّت ضد المشروع، فيما أيدته كاثرين كلارك، ثاني أبرز قيادات الحزب في المجلس. وكشف هذا التصويت أن الانقسام لم يعد مقتصراً على الجناحين التقدمي والتقليدي، بل امتدّ إلى صفوف القيادة الديمقراطية نفسها. وهو مثال على طبيعة التحديات التي قد يواجهها جيفريز في المرحلة المقبلة، عندما تتحول الخلافات التي برزت خلال الحملة الانتخابية إلى انقسامات تشريعية فعلية، قد تعرقل قدرة الحزب على توظيف أغلبيته لتمرير أجندته. ليس رصّ الصفوف التحدي الوحيد أمام جيفريز؛ إذ يحتاج، قبل الوصول إلى تلك المرحلة، إلى ضمان الأصوات الكافية للفوز برئاسة مجلس النواب، وهو أمر يُعدّ عادةً إجراءً بروتوكولياً شبه محسوم عند فوز حزب المعارضة بالأغلبية. لكن المعادلة هذه المرة تبدو مختلفة، بعدما أعرب عدد من التقدميين عن نيتهم استخدام أصواتهم ورقة ضغط لانتزاع تنازلات منه، ملوّحين بالتصويت ضد ترشحه لرئاسة المجلس. وإذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة، فقد يجد جيفريز مصيره معلقاً بأيدي هؤلاء النواب الذين يميلون إلى يسار الحزب. وسيكون هذا الاختبار الأول مؤشراً إلى قدرة جيفريز على إدارة الانقسامات الداخلية، وقد يرسم ملامح أسلوبه القيادي ومسار الأجندة الديمقراطية في مرحلة حساسة. فالحزب سيكون مطالباً بتحقيق توازن دقيق بين الوفاء بوعوده بمحاسبة ترمب وإدارته من جهة، وتنفيذ المشاريع التي تعهّد بها أمام الناخبين من جهة أخرى، حفاظاً على حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
المصدر: الشرق الأوسط