شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

“الدولاي”… قصة أول سيارة تشق طرقات الجلفة

“الدولاي”… قصة أول سيارة تشق طرقات الجلفة

في عمق الصحراء، حيث تمتد الرمال على مرمى البصر، وتتعانق التلال الرملية مع الأفق البعيد، تقف بقايا سيارة قديمة شاهدة على زمن مختلف، حين كانت الرحلة بين القرى والبوادي مغامرة شاقة، وكانت الطرقات عبارة عن مسالك ترسمها أقدام المسافرين وحوافر الدواب. هناك، في رحاب الزاوية الطاهرية، ترقد سيارة “الدولاي”، حاملة بين أجزائها المتآكلة فصولا من تاريخ المنطقة، وذاكرة رجل جعل من العلم والعمل والخير رسالة لا تحدها المسافات.
تعود الحكاية إلى سنة 1924، عندما أدخل الشيخ سي عبد الرحمان بن الطاهر، مؤسّس الزاوية الطاهرية، هذه المركبة إلى المنطقة، بعد شرائها من وسيط جلبها من فرنسا، مقابل 800 دورو، وفق روايات شفوية متداولة. يومها، لم تكن الجلفة قد ألفت رؤية مثل هذه الآلة الحديدية التي تتحرك بقوة المحرك، وتقطع المسافات بعيدا عن وسائل النقل التقليدية. لذلك، لم يكن وصولها حدثا عاديا، بل مشهدا استثنائيا في منطقة ظلت الصحراء فيها سيدة الموقف، والانتقال بين تجمعاتها السكانية رحلة تتطلب الكثير من الصبر والمشقة.
بهيكلها الحديدي وعجلاتها الضخمة، كانت “الدولاي” صورة مبكرة للتحول الذي بدأت ملامحه تظهر في حياة السكان، فقد ساهمت في نقل المؤونة والسلع، واختصرت بعض المسافات، كما شكّلت وسيلة مهمة للزاوية الطاهرية في تنقلاتها نحو القرى والمداشر والبوادي، حيث كانت توصل رسالة العلم وتحفيظ القرآن الكريم إلى مناطق بعيدة. وهكذا، كانت تلك السيارة جزءا من مشروع اجتماعي وديني، سخّر فيه الشيخ سي عبد الرحمان بن الطاهر الإمكانات المتاحة لخدمة الناس وتقريب المعرفة إليهم.
واليوم، لم يبق من تلك المركبة سوى هيكل أنهكته السنون، وأجزاء صمدت في وجه حرارة الصيف وزحف الغبار وتقلبات الزمن. تبدو معالمها كأنها خارجة من صورة قديمة بالأبيض والأسود، فيما يستوقف الزائر مقودها الحديدي وبقايا بنيتها الأصلية، في مشهد يستحضر زمنا كانت فيه كل رحلة على متنها حدثا يستحق الحكاية. وفي أحد مستودعات الزاوية، لا تزال السيارة تحتفظ بمكانها، وكأنها ترفض مغادرة الذاكرة رغم صمت محركها منذ عقود طويلة.
لكن قصة “الدولاي” تتجاوز تاريخ النقل لتلامس مرحلة من الصراع مع الاستعمار الفرنسي، فبحسب الروايات المتداولة، واجه دخولها إلى المنطقة تحفظات الإدارة الاستعمارية، خشية استغلالها في أغراض سياسية أو عسكرية، ومع تطور الأحداث، ارتبط اسم الشيخ سي عبد الرحمان بن الطاهر بمساندة المجاهدين وتقديم الدعم لهم، في موقف يعكس تمسكه بمبادئه وانحيازه إلى أبناء وطنه. وانتهى به الأمر، وفق ما ترويه الذاكرة المحلية، إلى الاعتقال والاقتياد إلى سجن “سركاجي”، حيث استشهد ثابتا على مواقفه.
رحل الشيخ، لكن أثره بقي حاضرا في المكان الذي أسّسه، وفي الذاكرة التي تناقلتها الأجيال، كما بقيت “الدولاي” شاهدا ماديا على جانب من سيرته فالزاوية الطاهرية، التي ارتبط اسمها بالعلم والقرآن الكريم، تواصل أداء رسالتها في تحفيظ كتاب الله وتكوين الأجيال، محافظة على إرث روحي وتاريخي تشكل عبر سنوات طويلة من العطاء.
وتمثل تلك السيارة القديمة الصدئة، حكاية الصحراء حين بدأت تفتح مسالكها أمام زمن جديد، وشهادة على رجل سخّر ما امتلك لخدمة مجتمعه، وقطعة من ذاكرة مسعد والجلفة تستحق التوثيق والصيانة، وبين الحديد الذي أكلته السنون والجدران التي ما تزال تحفظ صدى الماضي، تظل “الدولاي” تروي للأجيال قصة أولى العجلات التي عبرت الرمال، وقصة رجل ترك خلفه طريقا لا تقاس أهميته بالمسافات التي قطعها، بل بالأثر الذي أبقاه في حياة الناس.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post “الدولاي”… قصة أول سيارة تشق طرقات الجلفة appeared first on الشروق أونلاين.

المصدر: الشروق