الاتجار بأصوات الناخبين
د. خالد بن علي الخوالدي ربما البعض لا يدرك أننا أمام آفة مسكوت عنها إعلاميًا وهي الاتجار بأصوات الناخبين والتي لا تقل خطورة عن الآفات السابقة؛ لأنها تنهش في المجتمع أخلاقيًا وسلوكيًا ونفسيًا واجتماعيًا، وكما أقول دائمًا إننا لا نعيش في المدينة الفاضلة؛ لذا فإنَّ الحديث عن شراء الأصوات في انتخابات المجالس البلدية والشورى أصبح أمرًا واقعًا عايشناه ونعيشه ونراه ونسمع عنه وليس سرًّا لا يعرفه أحد. هذه القضية يتحدث عنها النَّاس في مجالسهم وتتردد أخبارها مع كل موسم انتخابي، وهناك من يروي مواقف وتجارب عايشها بنفسه، ولذلك ليس من المنطق أن نتجاهل هذه القضية ونجعلها تتحول إلى ظاهرة وممارسة مكشوفة أو ندفن رؤوسنا في الرمال ونسكت وكأنَّ شيئًا لا يحدث. إن دفع الأموال مقابل الأصوات الانتخابية مشكلة أخلاقية ودينية واجتماعية، ولها آثار تتجاوز المرشح والناخب لتصل إلى المجتمع والوطن بأكمله، فمن الناحية الدينية نحن أمام رشوة مُحرَّمة وبيع للأمانة التي ينبغي أن يؤديها الإنسان بصدق وإخلاص؛ فالصوت الانتخابي شهادة ومسؤولية وليس سلعة تعرض للبيع والشراء، فكيف نطمئن إلى من يبيع صوته مقابل مبلغ من المال أن لا يبيع الوطن فيما هو أكبر. أما الخطر الذي نخشى منه أن تتحول الانتخابات من منافسة بين الكفاءات والأفكار والبرامج إلى منافسة بين أصحاب الأموال، عندها قد يصل إلى المجلس من يملك المال، وليس بالضرورة من يملك القدرة على خدمة المجتمع، بينما يبقى صاحب الكفاءة والخبرة والنزاهة خارج المنافسة، لا لشيء إلا لأنه رفض شراء أصوات الناس. وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة؛ وهي عزوف بعض الكفاءات عن الترشح، فكم من شخص قادر على العطاء ولديه أفكار ورؤية لخدمة ولايته، لكنه يتردد في خوض الانتخابات حين يسمع أن الفوز يحتاج إلى أموال تدفع، لا إلى برنامج انتخابي مقنع أو تاريخ من العمل والعطاء، والأدهى من ذلك أن هذه الممارسات تزرع في نفوس الشباب قناعة مُؤلمة بأنَّ المال هو الطريق إلى المناصب، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي، وإذا ترسخت هذه القناعة فإننا نخسر ثقة الناس في العملية الانتخابية قبل أن نخسر أي مقعد في المجلس البلدي. ثم بالله عليكم ماذا ننتظر من مُرشَّح أنفق مبالغ كبيرة للوصول إلى المجلس سواء الشورى أو البلدي، وهل سيكون همه الأول خدمة الناس أم التفكير في تعويض ما أنفقه، وطبعا أنا لا أعمم على الجميع، ولكن مجرد وجود مثل هؤلاء الأشخاص يكشف حجم الضرر الذي تتركه هذه الممارسات في ثقة المجتمع بممثليه. إنَّنا بحاجة إلى وقفة صادقة تبدأ من الناخب قبل المرشح، ومن الأسرة قبل الجهات الرقابية، فلا يكفي أن نطالب بنزاهة الانتخابات ثم نتساهل مع من يشتري الأصوات أو يبيعها، كما أن مواجهة هذه القضية تتطلب وعيا مجتمعيا ورقابة جادة ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها، ويتطلب نزول الجهات المختصة إلى الميدان وعدم الانتظار إلى الشكوى، والكشف عن من تسول له نفسه خيانة الوطن. وفي الأخير.. علينا أن ندرك أن المجلس البلدي أو مجلس الشورى ليس جائزة يفوز بها من يدفع أكثر وإنما مسؤولية لخدمة الناس والمساهمة في تنمية الولايات ونقل احتياجات المواطنين وتطلعاتهم، فقد يربح من يبيع صوته مبلغاً من المال اليوم لكنه قد يخسر فرصة أن يمثله الشخص المناسب لسنوات، وقد يفوز من يشتري الأصوات بمقعد لكن الخاسر الحقيقي في النهاية هو المجتمع. فلنُحافظ على أصواتنا فهي أمانة ولنمنحها لمن يستحقها لا لمن يدفع ثمنها، وعمان أمانة وخدمتها مسؤولية يحافظ عليها الأمناء. ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
المصدر: الرؤية