الإعلام الغربي يتفاعل مع الموقف المغربي من ارتدادات مجلس الأمن الدولي
لم يكن ما جرى في قاعة مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة الماضي، مجرد “تعثر إجرائي” أو خلاف دبلوماسي عابر، وإنما كان إعلاناً صريحاً عن نهاية حقبة استمرت خمسة وثلاثين عاماً.
ولم تكد المطرقة تُرفع في نيويورك حتى جاء بلاغ الديوان الملكي في الرباط حاسماً في نبرته ومفرداته، إذ رحّب بانتهاء ولاية البعثة، مؤكداً أن أفرادها بمعداتهم بات يتعين عليهم مغادرة الأقاليم الجنوبية في غضون أيام، ومعتبراً وجودها جزءاً من الماضي وأداة طال استغلالها لتدويل النزاع وتأبيده.
هذا التقاطع “الدراماتيكي” بين شلل المنظومة الأممية وحزم الموقف السيادي المغربي أطلق شرارة اهتمام واسع النطاق في كبريات الصحف ووكالات الأنباء العالمية على مدار عطلة نهاية الأسبوع وصباح اليوم الإثنين 2 نونبر الجاري.
وبحسب ما طالعته هسبريس قرأت الصحافة الغربية الحدَثَ بعدسات متداخلة تراوحت بين صرامة توثيق الوقائع وتداعيات “قلق الجوار الإقليمي”، وتحليل صراع القوى الكبرى فوق رقعة الرمال الأطلسية.
توثيق الوقائع
بصياغة تقريرية مُحكَمة ركزت وكالة “رويترز” على “هندسة القرار” داخل أروقة الأمم المتحدة. بعد توثيقها مختلف أطوار الجلسة الحاسمة لم تغفل رويترز ربط التحول الدبلوماسي بالأثر الإنساني العالق، مشيرة إلى مخيمات تندوف داخل الأراضي الجزائرية، “حيث مازالت البوليساريو تحتجز عشرات الآلاف في ظل انحسار أفق العودة إلى أدبيات الاستفتاء القديمة”.
من جهتها غاصت “أسوشيتد برس” (AP)، في مراسلة خاصة من الدار البيضاء، في العمق التاريخي للأزمة، مبيّنة أن البعثة التي رأت النور عام 1991 لتنظيم استفتاء مستحيل تحولت مع السنين إلى شاهد صامت دفع عشرون من أفراده حياتهم ثمناً لمهمة تجمدت معاييرها حول أهلية التصويت.
وسجلت الوكالة الأمريكية “التآكل المتسارع في السند الدولي للبوليساريو لصالح الطرح المغربي”، معتبرة أن بلاغ الديوان الملكي رسم خطاً فاصلاً بين مرحلة التعايش مع “إدارة النزاع” ومرحلة “حسم الملف”. وتناقلت منصات أمريكية وازنة، من بينها الإذاعة الوطنية العامة (NPR)، تقرير أسوشيتد برس، مؤكدة أن الأمم المتحدة تقف اليوم أمام “تحدٍ لوجستي حرج لضمان إجلاء أفرادها بأمان وسط تحذيرات متزايدة من انزلاق الميدان نحو المجهول”.
“ارتدادات” الجوار
بدورها لم تتأخر الصحف الفرنسية في التقاط ارتدادات القرار. وخصصت صحيفة “لوموند” (Le Monde) افتتاحية عددها، الصادر الأحد، للحديث عن “نهاية حقبة” في شمال إفريقيا. واعتبرت الصحيفة أن اصطفاف باريس ولندن خلف النص الأمريكي يعكس تحولاً إستراتيجياً يتجاوز مجرد دعم المقاربة المغربية، ليؤسس لواقع جديد يُنهي وضعية “statu quo” (الجمود) الذي طال أمده.
من جهتها ركزت “لوفيغارو” (Le Figaro) على الشق الميداني البحت، متسائلة عن مصير اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991 بمجرد إقلاع طائرات أصحاب القبعات الزرقاء. ونقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية أوروبية مخاوفها من أن انسحاب الآلية الأممية الوحيدة للمراقبة قد يفتح الباب أمام مناوشات أو انزلاقات غير محسوبة، خصوصاً في ظل انقطاع قنوات الاتصال المباشرة بين الرباط والجزائر.
أما في إسبانيا، وبوصفها المراقب الأقرب للنزاع جيوسياسياً وجغرافياً، هيمَن طابع الترقب المشوب بالحذر على عدد من التغطيات.
واختارت صحيفة “إل باييس” (El País) واسعة الانتشار عنونة في نسختها الصادرة صباح الإثنين 2 نونبر: “المينورسو تَحزم حقائبها.. وتحديات أمنية تقرع أبواب جزر الكناري”.
وقاربت الصحيفة الحدثَ من زاوية “براغماتية بحتة”، معتبرة أن “أيّ تصعيد ميداني أو فراغ إداري سينعكس فوراً على الضفة الشمالية للمتوسط، سواء عبر موجات الهجرة غير النظامية أو التهديدات الأمنية”، وأشارت إلى أن “حكومة مدريد تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة، مطالبة بضبط إيقاع توازناتها المعقدة بين حليفها الإستراتيجي المغربي ومُزوّدها الطاقي الجزائري، في ظل واقع إقليمي فاقدٍ للمظلة الأممية”.
بين موسكو وواشنطن
عبر الأطلسي؛ قرأت كبريات الصحف والمؤسسات الإعلامية الحدث من عدسة “الاستقطاب العالمي الخانق”. ولفتت “نيويورك تايمز” (The New York Times)، في تحليل معمق، انهيار “ولاية المينورسو” بأنه “أحدَثُ وأبرز ضحايا الشلل الذي يضرب مجلس الأمن”.
واعتبرت الصحيفة أن “الفيتو الروسي-الأمريكي المتبادل لم يكن، في جوهره، سوى تصفية حسابات جيوسياسية فوق رمال الصحراء؛ حيث تسعى موسكو إلى إرباك النفوذ الغربي المتنامي في المنطقة وفرض نفسها كلاعب معرقل للمبادرات الأمريكية”.
وفي لندن أضاءت “الغارديان” (The Guardian) على البعد اللوجستي والإنساني، واصفة مشهد بدء موظفي الأمم المتحدة الاستعداد لتفكيك مقراتهم ومعداتهم بأنه “شهادة وفاة رسمية” لواحدة من أطول بعثات حفظ السلام عمراً وأشدِّها جموداً في تاريخ المنظمة.
مع توالي ردود الفعل في الساعات الأولى من بداية الأسبوع بدا واضحاً أن الصحافة الغربية مُجمعة على فكرة مركزية واحدة: “مرحلة ما بعد 30 أكتوبر 2026 قطعت الحبل السري مع الماضي”.
بينما تستعد سيارات “الدفع الرباعي البيضاء” التابعة للأمم المتحدة لإخلاء نقاط المراقبة وترك مقارها تغادر معها مرحلة “اللاحرب واللاسلم” التي وفرت غطاءً دبلوماسياً مريحاً لعقود.
The post الإعلام الغربي يتفاعل مع الموقف المغربي من ارتدادات مجلس الأمن الدولي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس