عندما تتحول الوظيفة إلى استثمار وقيمة اقتصادية متجددة
د. مرتضى بن جمعة الخائط عند الإعلان عن فرص وظيفية جديدة، فإننا نحتفي بإنجاز مهم في مسيرة التنمية، لكن ماذا يحدث بعد التحاق الباحث عن عمل بوظيفته؟ وهل يتم متابعة تطوره واستقراره وانتاجيته؟ وماذا يحصل للخبرات الوظيفية المتراكمة للعاملين على مدى سنوات طويلة، هل تنتهي قيمتها بالتقاعد؟ في تقديري، لم يعد نجاح سياسات سوق العمل يقاس بعدد الوظائف التي توفرها فقط، بل بقدرتها على بناء مسارات مهنية منتجة، وتحويل المهارات والخبرات الى قيمه اقتصادية مستمرة، فالوظيفة هي بداية للاستقرار والتطور، والمهارة مصدر للإنتاجية، والخبرة رصيد متجدد. ويعد توفير فرصة العمل بداية العلاقة بين الفرد وسوق العمل، لكن القيمة الحقيقية لهذه الفرصة تظهر في قدرة الموظف على الاستمرار والتطور وتحسين ادائه. فقد يلتحق الباحث عن عمل بوظيفة، لكنه لا يجد مسارًا واضحًا للنمو، أو تتغير متطلبات العمل بفعل التقدم والتحولات الاقتصادية دون أن تتوافر له فرص مناسبة لتحديث مهاراته. ومن هنا تبرز أهمية تطوير مؤشر وطني للاستقرار والتطور المهني، يستفيد من البيانات المتاحة لدى الجهات المعنية، ويتجاوز قياس أعداد المعينين إلى متابعة استمرارية العاملين ومدى تطور مهاراتهم ومسؤولياتهم، وانتقالهم إلى فرص أفضل. ويمكن أن تشمل المتابعة فترات مثل 12 و24 شهرًا من الالتحاق بالعمل. ولا يعني الاستقرار المهني بالضرورة بقاء الموظف في الوظيفة نفسها؛ فقد يكون انتقاله إلى وظيفة أفضل أو قطاع أخر هو مؤشر إيجابي على تطوره. المهم أن نعرف ما إذا كانت سياسات التوظيف تصنع مسارات مهنية حقيقية، أم تكتفي بتحقيق الالتحاق الأولي بالعمل. ومهارات اليوم قد لا تكون كافية في السنوات المقبلة. ولذلك، ينبغي أن يرتبط التدريب بالوظائف الفعلية والمهارات التي تحتاجها المؤسسات، وأن يقاس أثره بما يحدثه من تحسن في الأداء والإنتاجية، وليس بعدد البرامج التدريبية أو المشاركين فيها فقط. ونجاح التدريب لا ينبغي أن ينتهي بالحصول على شهادة فقط، بل لابد أن يظهر في قدرة الموظف على أداء مهام جديدة، وتحسين جودة العمل. كما أن إعادة التأهيل المهني للموظف أصبحت ضرورة للذين تتأثر وظائفهم بالتحولات التقنية، بما يساعد على الانتقال إلى أعمال جديدة والاستفادة من الخبرات السابقة. ويتطلب ذلك شراكة عملية بين مختلف مؤسسات التعليم والتدريب والقطاع الخاص، تكون فيها احتياجات القطاعات الاقتصادية نقطة الانطلاق في تصميم برامج التأهيل والتطوير، حتى تصبح المهارات المكتسبة أكثر ارتباطًا بواقع العمل ومتطلباته. ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر هي كيفية الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى المتقاعدين، فسنوات العمل لا تنتج دخلًا للفرد فقط، بل تبني معرفة عملية وعلاقات مهنية وقدرات يصعب اكتسابها في فترة قصيرة. وعندما تنتهي الخدمة، قد تفقد المؤسسات فرصة الاستفادة من جزء مهم من هذا الرصيد المعرفي. وتُعد مبادرة «خبرات» التي أطلقتها الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة خطوة مهمة في هذا الاتجاه، من خلال تنظيم الاستفادة من الكفاءات الوطنية المتقاعدة في مجالات الاستشارات وإدارة المشاريع والتدريب ونقل المعرفة. كما تقدم دولة قطر نموذجًا من خلال منصة «استمر»، التي تعمل على مواءمة خبرات المتقاعدين مع احتياجات القطاع الخاص. وما يمكن استخلاصه من هذه التجربة أهمية الانتقال من مجرد حصر الخبرات إلى ربطها باحتياجات فعلية لدى المؤسسات. وأرى أن الفرصة في سلطنة عُمان تكمن في البناء على المبادرات القائمة وتوسيع نطاق الاستفادة منها لتصل الخبرات الوطنية إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمشروعات الناشئة والمؤسسات التدريبية والقطاعات التي تحتاج إلى تخصصات دقيقة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال برامج توجيه مهني ونقل معرفة، يشارك فيها أصحاب الخبرة مع الكفاءات الشابة في مشروعات محددة، بما يسرّع تأهيل الشباب ويحافظ على المعرفة المؤسسية، دون أن يكون ذلك بديلًا عن فرص توظيفهم. وحتى تتحول هذه الأفكار إلى نتائج، لا أرى أن الحاجة تكمن في إنشاء كيانات أو منصات جديدة بقدر ما تكمن في تحسين التنسيق بين الجهات القائمة والاستفادة من بياناتها ومبادراتها. ويمكن البدء بثلاث خطوات عملية: أولًا: تطوير قياس وطني يتابع استدامة المسارات المهنية، ويربط التوظيف بالاستقرار والتطور المهني، مع تحليل النتائج بحسب القطاعات والفئات الوظيفية. ثانيًا: توجيه برامج الدعم والتدريب نحو النتائج، مثل استمرار التوظيف وتحسن المهارات والإنتاجية، مع مراعاة اختلاف طبيعة القطاعات وقدرات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ثالثًا: توسيع الاستفادة المنظمة من الخبرات الوطنية بعد التقاعد، من خلال تحديد احتياجات المؤسسات والمشروعات، وربطها بالكفاءات المناسبة، وتقييم أثر مشاركتها في نقل المعرفة وتحسين الأداء. ويمكن للمؤسسات والهيئات المعنية بسوق العمل والتعليم والتدريب والقطاع الخاص والحماية الاجتماعية تنسيق هذه الجهود ضمن إطار مشترك، مع تحديد مسؤوليات واضحة ومؤشرات لقياس النتائج ومراجعتها دوريًا. وتطبيق هذا التوجه يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا يتجاوز الفرد إلى المؤسسة والاقتصاد الوطني؛ فمن شأنه تقليل كلفة دوران العاملين وتحسين الانتاجية، ورفع كفاءة الإنفاق على التدريب، والحد من فقدان المعرفة المؤسسية، إلى جانب مساعدة المؤسسات على الوصول إلى الخبرات التي تحتاجها، وتعزيز فرص الشباب في التعلم والتطور. إنَّ بناء سوق عمل كفؤ لا يقاس فقط بعدد الوظائف التي يوفرها، بل بقدرته على تحويل الوظيفة إلى مسار للنمو، والمهارة إلى إنتاجية، والخبرة إلى أصل معرفي متجدد. ومن هذا المنطلق، فإن الربط بين التوظيف والاستقرار والتطوير المهني وما بعد الوظيفة يمثل فرصة لتعزيز العائد من الاستثمار الوطني في الإنسان، بما ينسجم مع توجهات رؤية عمان 2040 في تنمية القدرات الوطنية وتعزيز إنتاجية الاقتصاد. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب أن ننظر إلى المسيرة المهنية باعتبارها رحلة متكاملة، تتوزع مسؤوليتها بين الفرد والمؤسسات والجهات المعنية، وتتجدد قيمتها مع كل مرحلة. فالشباب يحتاجون إلى فرص للدخول والتعلم، والعاملون يحتاجون إلى مسارات للتطور والاستقرار، وأصحاب الخبرة يحتاجون إلى فرص مناسبة لنقل ما اكتسبوه من معرفة. ومن وجهة نظري، فإن الاستثمار الحقيقي في الإنسان لا يتوقف عند تعيينه أو تأهيله، بل يمتد إلى الاستفادة مما يكتسبه من معرفة وخبرة طوال حياته المهنية. فكل مرحلة من مسيرة الإنسان تحمل قيمة يمكن أن تضيف إلى المرحلة التالية، إذا أحسنت المؤسسات والجهات المعنية توظيفها؛ فالوظيفة قد تنتهي، لكن قيمة الإنسان وخبرته لا ينبغي أن تنتهي معها؛ والاقتصاد الأكثر قدرة على الاستدامة هو الذي يعرف كيف يستثمر في الإنسان طوال مسيرته المهنية، ويحوّل ما يكتسبه من معرفة ومهارة إلى قيمة تتجدد عبر الأجيال.
المصدر: الرؤية