معالجة التراكمات الضريبية.. اختبار جديد للعدالة والثقة
تفتح خطة وزارة المالية لمعالجة التراكمات الضريبية القديمة وإغلاق الملفات العالقة باباً أمام إعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة الضريبية والمكلفين، وتهيئة الأرضية لتطبيق التشريعات الضريبية الجديدة، وسط أهمية ضمان العدالة والشفافية وتوحيد إجراءات التدقيق والتسوية. وزير المالية محمد يسر برنية، أعلن عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، إطلاق وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب والرسوم «خطة المعالجة الشاملة والإغلاق المنهجي للملفات الضريبية المتراكمة»، انطلاقاً من أهمية وضع حل جذري للتراكم الضريبي للسنوات الماضية. وبين أن الخطة تستهدف الإسراع في إنجاز الملفات المتراكمة وفق برنامج زمني صارم ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وإنهاء التراكمات والملفات العالقة للفترات السابقة بصورة نهائية، ما يتيح الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر انتظاماً واستقراراً. كما تتضمن توحيد آليات ومعايير التدقيق وأساليب المعالجة، والابتعاد عن التقديرات الشخصية غير المنضبطة، ما يعزز العدالة والنزاهة ويحد من فرص الفساد، إلى جانب تصفية الإرث الضريبي للماضي من خلال إغلاق الملفات القديمة وفق إجراءات شفافة تقلل احتمالات التأخير أو المماطلة، وتحول دون انتقال أي إشكاليات أو تراكمات سابقة إلى المرحلة المقبلة. ولفت إلى أن الخطة تسعى كذلك إلى تأسيس قاعدة نظيفة للمستقبل، من خلال تهيئة البيئة التنظيمية الملائمة لتطبيق التشريعات الضريبية الجديدة، حيث يبدأ العمل بها استناداً إلى ملفات محدثة وخالية من التشابكات والتراكمات السابقة، فضلاً عن تعزيز الثقة المؤسسية وبناء جسور ثقة أقوى بين الإدارة الضريبية والمكلفين، عبر إنجاز الملفات بشفافية والانتقال إلى نظام ضريبي أكثر يسراً واستقراراً. وأكد برنية إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ الخطة، معتبراً أنها تشكل فرصة أمام المكلفين لإنهاء ملفاتهم الضريبية بيسر، ما يساعد على الانتقال إلى النظام الضريبي الجديد الميسّر، مشدداً على الحرص على تحقيق تغيير حقيقي في العلاقة مع قطاع الأعمال والمكلفين، وبناء جسور الثقة مع المواطنين والمستثمرين. العدالة الضريبية تبدأ بتوحيد معايير التدقيق وفي قراءة أكاديمية لأبعاد الخطة، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في حديث لـ”الوطن”، أن معالجة التراكمات الضريبية القديمة تمثل استحقاقاً بنيوياً في الإصلاح المالي السوري، باعتبار أن الملفات العالقة منذ سنوات تشكل عبئاً على المكلفين والخزينة معاً، وتعقّد تطبيق التشريعات الضريبية الجديدة. وأوضح أن أهمية خطة المعالجة الشاملة والإغلاق المنهجي تنبع من كونها مدخلاً لتأسيس قاعدة ضريبية نظيفة، مشيراً إلى أنها يمكن أن تسهم في تعزيز العدالة الضريبية من خلال توحيد أساليب التدقيق وإلغاء التقديرات الشخصية، الأمر الذي يقلص الفساد ويحقق المساواة الأفقية بين المكلفين. وأضاف أن الإغلاق النهائي للملفات القديمة من شأنه إزالة حالة القلق والغموض، وإعادة بناء الثقة من خلال الشفافية والالتزام ببرنامج زمني صارم ومؤشرات أداء قابلة للقياس. ضمانات مؤسسية لمنع الاجتهادات الشخصية وفيما يتعلق بالضمانات المطلوبة لمنع الاجتهادات غير الموحدة، بين محمد أنها تتمثل في إصدار قرارات تنفيذية موحدة، واعتماد معايير تدقيق مكتوبة، وربط المعالجة بمؤشرات قياس، إضافة إلى الرقابة المؤسسية والتدقيق اللاحق. ولفت إلى أن نجاح الخطة يبقى مشروطاً باستقلالية لجان التسوية، ونشر معايير واضحة، وإتاحة الاعتراض أمام جهة رقابية مستقلة، ما يضمن عدم تحول إجراءات المعالجة إلى اجتهادات فردية أو تفاوت في التعامل مع المكلفين. نجاح مرهون بالتطبيق والشفافية وحسب الرؤية الأكاديمية، فإن الخطة تمثل خطوة صحيحة من الناحية الاقتصادية، لأن تصفية الإرث الضريبي تشكل شرطاً لانتقال فعال إلى نظام ضريبي ميسّر وجاذب للاستثمار، إلا أن أثرها الحقيقي يتوقف على آليات التطبيق، إذ إن توحيد المعايير وحده لا يكفي من دون وجود حواضن مؤسسية للرقابة والشفافية وضمانات فعلية لحق الاعتراض. وينصح محمد بترسيخ مبدأ التسوية وفق معايير منشورة مسبقاً، وتوثيق كل قرار، مع قياس الأثر بصورة دورية من خلال مؤشرات الثقة والالتزام الطوعي، مؤكداً أن نجاح الإصلاح الضريبي يقاس بانتظام الإيرادات واستقرار العلاقة مع المكلفين، وليس بسرعة إغلاق الملفات فحسب.
المصدر: الوطن