ماذا يفعل قبر أبي أيوب في إسطنبول؟!
من أهمّ الحقائق التي ينبغي ألاّ تغيب عن الأذهان، حقيقة أنّ الدّين كفاح وجِلاد، حتى يُسلم العبد الرّوح إلى بارئها. وأنّ أعزّ حياة هي التي يقضيها العبد وهو يبذل من أغلى ما يملك لأجل أشرف ما يحيا لأجله؛ عقيدته ومبادئه وقضاياه. ومن عاش هذه الحياة عاش عزيزا ومات عزيزا.. أما من عاش لنفسه وبدنه فسيعيش صغيرا ويموت صغيرا. ولعلّ من أبلغ الكلمات التي قيلت في عصرنا هذا لبيان هذه الحقيقة، كلمة المصلح التركيّ نجم الدين أربكان، رحمه الله، حينما قال: “لو كان الإسلام مجرّد صلاة وقراءة قرآن وتسبيح لله، ما كان قبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري في إسطنبول”.. كأنّ هذا المصلح يريد للأمّة أن تسأل: ماذا يفعل قبر صحابي رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- أبي أيوب الأنصاريّ في إسطنبول بتركيا؟ أبو أيوب –رضـي الله عنه- ولد بالمدينة النبويّة، وفيها عاش مع النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- حتى التحق الحبيبُ بالرفيق الأعلى. ولكنّه تعلّم من قدوته أنّ قيمة العبد ليست في شحمه ولحمه ولا في ماله وحسَبه ونسبه، إنّما هي فيما يحمله من تعلّق بالحقّ وبما يقدّمه فداءً له. عُرف عن أبي أيوب أنّه كان دائما ما يردّد قول الله –تعالى-: ((انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [التوبة: 41]، ويقول: “لا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً”، وعاش كهولته وشيخوخته مجاهدا في سبيل الله، حتى إذا عُقدت راية الجيش الذي يغزو القسطنطينية في خلافة معاوية بن أبي سفيان، سنة 52 هـ، كان أبو أيوب يومها في الخامسة والتسعين من عمره، ومع ذلك أبى إلا أن يشارك في الغزوة رغم ضعفه، فكان من جندها، ورزق الشّهادة، ودفن هناك في القسطنطينية. نعم، الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ، من أركان الإسلام. وتلاوة القرآن وذكر الله والصلاة على النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – كلّها من فرائض الإسلام، لكنّها ليست هي وحدها الإسلام ولا هي ذروة الدّين، إنّما الإسلام قلبٌ يخفق بحبّ الله ورسوله ودينه، وهمٌّ يَهزّ الرّوح ويشغل البال، وجسدٌ يعمل ويتعب في العمل لله ولدينه. وأقلّه أن يتعب العبد وهو يجاهد نفسه ويغالبها ويقودها إلى الله لتستقيم على طاعة الله. لو كان الإسلام صلاة وذكرًا ودعاءً وتلاوة للقرآن فقط؛ ما مات أكثر من ثلثي الصحابة بعيدا عن المدينة النبويّة.. يقدّر المؤرّخون عدد الصحابة بحوالي 12 صحابيّ، بينهم أكثر من 9000 ماتوا في الغزوات والفتوحات، خارج المدينة النبوية. لو كان الإسلام صلاة وذكرا ودعاء وتلاوة للقرآن فقط؛ فماذا تفعل قبور مئات الصحابة في قرية البهنسا بمحافظة المنيا المصرية؟ ماذا تفعل قبور مئات الصحابة الذين دفنوا في سوريا، بينهم خالد بن الوليد، وبلال بن رباح، وأبو الدرداء وأم الدرداء، وحِجر بن عدي، والعرباض بن سارية، وثوبان وسفينة خادما رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-؟ ماذا تفعل قبور 12 من أصحاب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- في الأردن؛ أولئك الصحب الذين سقطوا شهداء في معركة مؤتة في السّنة الثامنة للهجرة؟ بينهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة؟ ماذا تفعل قبور عُبادة بن الصامت وشداد بن أوس وواثلة بن الأسقع في فلسطين؟ ماذا تفعل قبور علي بن أبي طالب والحسين بن علي وعمار بن ياسر وسهل بن حنيف وسلمان الفارسي في العراق؟ ماذا يفعل قبر حذيفة بن محصن وقبر العلاء الحضرمي في الإمارات؟ ماذا تفعل قبور أبي لبابة الأنصاري وعبيد بن أرقم البلوي ومعبد بن العباس في تونس؟ ماذا تفعل قبور حوالي 70 صحابيا، بينهم: زهير بن قيس البلوي، في ليبيا؟ ماذا تفعل قبور حوالي 300 من أجلة التابعين بينهم عقبة بن نافع وأبو المهاجر دينار، في الجزائر؟ إنّها قضية الدّين التي فهمها أولئك الأخيار وحيوا بها وماتوا لأجلها.. يقول المفكّر المسلم سيد قطب –طيّب الله ثراه-: “إن مقابر الشهداء هي المنارات التي تضيء الطريق للأجيال الحائرة”. واجبنا نحو الدّين لا يتوقف عند خمس صلوات نؤدّيها في المساجد وربّما في بيوتنا على ثقل، وشهر نصومه في العام، وصفحاتٍ من القرآن نقرؤها كلّ يوم، وكلمات نردّدها في مجالسنا ولا نبحث لها عن أثر في بيوتنا وشوارعنا وأسواقنا ومؤسّساتنا.. إنّما هو همٌّ يُقلق ويُؤرّق ويُذهب النّوم ويُسيل الدّموع، وسعيٌ يجعل العبد يضحّي بأعزّ ما يملك ليبقى دينه ظاهرا.. يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: “وأيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارمَ الله تُنتهك، وحدودَهُ تُضاع، ودينَه يُترك، وسنّةَ رسولِ الله –صلّى الله عليه وسلّم- يُرغبُ عنها، وهو باردُ القلب، ساكت اللسان؛ شيطانٌ أخرس، كما أنّ المتكلّم بالباطل شيطانٌ ناطق؟! وهل بليّةُ الدّين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلُهم ورياساتُهم فلا مبالاةَ بما جرى على الدّين!”، ويقول أيضا: “يا عليل العزم، أين أنت والطريق تعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إِسماعيلُ، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصورُ يَحيى، وقاسى الضُّرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داودَ، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمد –صلـى الله عليه وسلم-، تُزهى أنت باللهو واللعب؟”. طريق الحقّ، قتل فيها أنبياء، وطورد آخرون، وسجن آخرون، وسالت دماء آخرين، وها هو خاتمهم نبيّنا محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- سُبّ واتّهم بالسّحر والجنون، وخُنق، ووضع القذر على ظهره وهو يصلّي، وحاول المجرمون قتله، وطورد، ورُمي بالحجارة، وسال دمه الشريف. على طريق الحقّ، خرج أبو بكر الصدّيق –رضـي الله عنه- عن ماله كله أكثر من مرة، وبذل عمر –رضـي الله عنه- نصف ماله، وتبرع عثمان –رضـي الله عنه- لجيش العسرة وجهزه من ماله، ونام علي –رضـي الله عنه- في فراش النبي –صـلى الله عليه وسلم- في ليلة الهجرة، وهو يعلم أنّ صاحب ذلك الفراش مطلوب للقتل.. وعلى الطّريق قتل حمزة شهيدا ومُثّل بجسده الطّاهر، وعلى الطّريق استشهد سبعون في غزوة أحد. على طريق الحقّ مات أبو بكر الصدّيق وهو يحمل همّ أمّته إلى آخر لحظة، حتى أنّه حينما أرادوا أن يشتروا له كفنا جديدا، رفض وقال: “الحيّ أحقّ بالجديد، وإنّما يذهب الميّت إلى البلى، انظروا ثوبيّ هذين فكفّنوني فيهما”.. وعلى هذه الطّريق استشهد عمر بن الخطّاب وهو يصلّي بالنّاس الفجر.. وعلى الطّريق استشهد عثمان بن عفّان وهو يتلو كلام الله والمصحف بين يديه.. وعلى الطّريق استشهد عليّ بن أبي طالب وهو غادٍ إلى المسجد لصلاة الفجر.. وعلى الطّريق استشهد الحسن بن عليّ وهو يريد الإصلاح بين المسلمين وإعادة الأمر إلى سيرة الخلفاء الراشدين، واستشهد الحسين وعبد الله بن الزبير… وكثيرون معهم وقبلهم وبعدهم.
المصدر: الشروق