تعز تخوض فصلاً جديداً من المعاناة.. حصار الحوثيين يهدد حياة السكان
تخوض مدينة تعز فصلاً جديداً من أقسى فصول المعاناة الإنسانية المتواصلة للعام الحادي عشر على التوالي، إلا أن الوضع اليوم تجاوز كل الأعراف الإنسانية والسنوات الماضية ليبلغ مرحلة الاختناق الكلي. فمع التصعيد الحوثي الأخير وسيطرة الحوثيين على معظم أرياف تعز في مختلف الاتجاهات، وتغيّر خطوط التماس، تحولت المدينة إلى سجن كبير معزول عن محيطه الخارجي، وفرضت المليشيا عليها حصاراً خانقاً ضاعف معاناة السكان الإنسانية ، وسط صمت مطبق وغياب للحلول الدولية. واتخذ إغلاق الحوثيين لبقية المنافذ والشرايين، التي كانت تُعدّ طرقاً بديلة وتمثل المتنفس الأخير لأهالي المدينة، طابعاً شاملاً. ففي الاتجاهين الشرقي والشمالي، يتواصل الإغلاق القاسي للطرق في ظل تمركز الحوثيين واشتداد جبهات القتال، بينما أدى التقدم الميداني الأخير والسيطرة الحوثية على معظم أرياف تعز الغربية والجنوبية الغربية، إلى جانب محوري البيرين والكدحة، إلى شلل تام في حركة النقل والشاحنات القادمة من الساحل. وفي الاتجاه الجنوبي، تعرضت خطوط الإمداد الحيوية الرابطة بعدن، مثل طريق هيجة العبد، لتعطيل شبه كامل بفعل الاشتباكات العنيفة والاستهدافات الحوثية التي طالتها مؤخراً، ما أدى إلى قطع شرايين الحياة الأساسية التي تصل عبرها البضائع والسلع والمسافرون. وألقى هذا الإطباق الكامل بظلاله الكارثية المباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، مفجراً أزمة معيشية واقتصادية غير مسبوقة تلامس حد المجاعة الشاملة. وشهدت الأسواق المحلية ارتفاعات كبيرة في الأسعار خلال أيام معدودة، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية، كالدقيق والقمح، بأكثر من النصف، بينما ارتفعت أسعار الخضار والسلع الاستهلاكية الأخرى إلى مستويات تجاوزت قدرة الأسر محدودة الدخل، التي باتت عاجزة عن توفير أبسط مقومات قوتها اليومي. وفي السياق ذاته، دخلت المدينة في أزمة وقود خانقة أسفرت عن ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، إذ قفز سعر صفيحة البنزين، سعة 20 لتراً، في السوق السوداء إلى نحو 100 ألف ريال يمني، مسجلاً زيادة تتجاوز ثلاثة أضعاف سعرها السابق، وتسبب ذلك في شحّ المواصلات وتوقفها، وإن توفرت، ارتفعت أجرة الراكب من 200 ريال إلى 600 ريال، ما أدى إلى شلل تام في حركة النقل الداخلي والخارجي، وعزل أحياء المدينة عن بعضها. ولم تقف المأساة عند حدود المشتقات النفطية البترولية فقد تعدت إلى انعدام تام للغاز المشغل للسيارات وكذلك لغاز الطهي المنزلي في عموم أحياء المدينة، ما أجبر سكان في تعز على العودة إلى وسائل بدائية كجمع الحطب وإشعال الخشب لتأدية احتياجاتهم المنزلية اليومية وسط ظروف صحية ومعيشية بالغة القسوة.ولم تقف المأساة عند حدود المشتقات النفطية، بل امتدت إلى انعدام الغاز المستخدم لتشغيل السيارات وغاز الطهي المنزلي في عموم أحياء المدينة، ما أجبر سكاناً في تعز على العودة إلى وسائل بدائية، كجمع الحطب وإشعاله لتلبية احتياجاتهم المنزلية اليومية، وسط ظروف صحية ومعيشية بالغة القسوة. وتهدد هذه الأزمات المتلاحقة بتوقف المرافق الصحية والمستشفيات ومحطات توليد الكهرباء وضخ المياه عن العمل، لاعتمادها كلياً على الوقود لتشغيل مولداتها، كما تسببت في تدهور حاد في خدمات المياه والكهرباء والاتصالات، وتفاقمت أزمة المياه حتى باتت صهاريج نقل المياه (الوايتات) شبه معدومة. وإن توفرت، فقد ارتفع سعر الصهريج من 30 ألف ريال إلى 100 ألف ريال. وإلى جانب ذلك، زادت أجور النقل، ما جعل تنقل المواطنين أو إسعاف المرضى أمراً شبه مستحيل. وامتدت تداعيات الحصار لتشمل موجات نزوح واسعة طالت آلاف الأسر من المدنيين الهاربين من جحيم المعارك والقصف في أرياف تعز ومحيطها، في مناطق مثل جبل حبشي ومديريات الساحل وجنوب المحافظة. ويواجه هؤلاء النازحون ظروفاً قاسية للغاية في العراء ومخيمات النزوح المؤقتة، وسط غياب أبسط مقومات الرعاية الصحية ووسائل التدفئة والغذاء والحماية، وهو ما ينذر بكوارث صحية ووبائية واسعة النطاق، في ظل عجز المنظمات الإغاثية عن الوصول إليهم. وفي ظل هذه المعطيات، يجمع الحقوقيون والمختصون بالشأن الإنساني على أن تحويل الحصار إلى طوق مطبق يمنع دخول الغذاء والدواء والوقود والمياه ويهدد حياة الملايين يمثل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وتخالف هذه الممارسات بصورة صارخة اتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر تماماً استخدام التجويع والحرمان من المقومات الأساسية كأسلوب من أساليب الحرب، وتفرض الوجوب القانوني لتسهيل وصول الإغاثة الإنسانية دون عوائق. وتقف تعز اليوم على مشارف كارثة إنسانية محققة، في اختبار صارخ ومستمر لضمير المجتمع الدولي والمنظمات الأممية التي تقع عليها مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة للتحرك الجاد وكسر هذا الحصار المفروض على مدينة أثقلتها الحرب وأرهقها الصبر الطويل.
المصدر: المصدر أونلاين