اقتصاديون: خطاب الملك وثيقة عهد وبوصلة استراتيجية للحكومة
عمان -أنس الخصاونة، إسلام العمري، رندا حتاملة لم يكن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني، في خطاب العرش السامي الذي افتتح به أمس الاثنين الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، بتسريع إنجاز المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، مجرد دعوة إلى اختصار الجداول الزمنية أو رفع وتيرة العمل الحكومي، بل حمل رسالة اقتصادية واضحة عنوانها الانتقال من مرحلة التخطيط وإقرار الاستراتيجيات إلى مرحلة الإنجاز الفعلي، وربط كل مشروع بما يحققه من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وما يتركه من أثر مباشر في حياة المواطنين. فحين أكد جلالته أن «مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه»، وأن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه، فإنه وضع معياراً أكثر عمقاً لقياس نجاح مسار التحديث، يتجاوز حجم الإنفاق ونسب الإنجاز المعلنة إلى قدرة المشاريع على تحسين مستوى الدخل، وتوليد فرص العمل، وخفض كلف الإنتاج والخدمات، وتعزيز جودة الحياة. ويكتسب هذا التوجيه أهمية اقتصادية خاصة في ظل انتقال رؤية التحديث الاقتصادي إلى برنامجها التنفيذي الثاني للأعوام 2026-2029، بما يتضمنه من مشاريع ومبادرات تستهدف تحريك محركات النمو، وتعزيز الاستثمار والإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين نوعية الحياة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحويل الموارد والفرص الاستثمارية إلى نتائج ملموسة، وعدم السماح بأن تتحول الإجراءات الإدارية أو بطء التنفيذ إلى كلفة إضافية يتحملها الاقتصاد والمواطن. ثمنت فعاليات اقتصادية خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح اعمال الدورة العادية الثالثة لمجلس الامة امس الاثنين، مؤكدة أن اهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني المتواصل برؤية التحديث الاقتصادي، يعكس حرص جلالته على تعزيز منعة الاقتصاد الوطني، بما ينعكس بصورة ملموسة على النمو الاقتصادي والاستثمار ومستويات معيشة المواطنين. وقالوا في لقاءات مع «الدستور» إن مضامين خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، تعكس رؤية استراتيجية واضحة لربط التنمية الاقتصادية بتحسين حياة المواطنين، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات واستثمار الفرص. وأضافوا ان تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش على أهمية المشاريع الكبرى وتوجيه الحكومة إلى تسريع إنجازها يعكس رؤية استراتيجية لتعزيز قوة الاقتصاد الأردني واعتماده على إمكاناته الذاتية، وترسيخ موقع المملكة مركزاً اقتصادياً ولوجستياً في المنطقة. وقالوا ان جلالته أكد في اكثر من خطاب له على ضرورة النهوض بالاقتصاد الوطني، والاهتمام بالمشاريع الكبرى والتي لها عائد اقتصادي جيد على الدولة، خاصة ان الاردن عانى خلال السنوات السابقة من تداعيات عدة اثرت سلبا على النشاط الاقتصادي، الا انه بفضل حكمة وحنكة جلالته استطاع الاردن تخطي تلك العقبات والحفاظ على مستويات مقبولة من النمو في ظل الظروف القائمة. وخطاب. الخطاب جامع ويشكل أولوية للمرحلة المقبلة وأكد رئيس جمعية مستثمري شرق عمان الصناعية الدكتور اياد ابو حلتم أن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني جاء مهما وجامعا وشاملا، وتناول العديد من القضايا الوطنية والسياسية، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية ومحاربة الإرهاب، إلى جانب القضايا الاقتصادية التي تشكل أولوية خلال المرحلة المقبلة. وقال ابو حلتم إن جلالة الملك وجه الحكومة إلى تسريع وتيرة الإنجاز في المشاريع المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، لافتا إلى أن الحكومة أقرت البرنامج التنفيذي للرؤية للأعوام 2026–2029، والذي يستند إلى ثمانية محركات رئيسية تنبثق عنها العديد من المبادرات والمشاريع الاقتصادية والتنموية. وأشار إلى أن جلالة الملك ركز في خطابه على أهمية المشاريع الكبرى، لا سيما في قطاعات الطاقة والمياه والنقل، إلى جانب جذب الاستثمارات، مؤكدا أن تكرار جلالته التأكيد على أهمية المياه يعكس الأولوية التي يحظى بها الأمن المائي، وضرورة تسريع إنجاز مشروع الناقل الوطني ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بالمياه والطاقة، بما يعزز استدامة الاقتصاد الوطني. وأوضح ابو حلتم أن عام 2027 من المتوقع أن يشهد التركيز على مشاريع البنية التحتية الكبرى، خصوصا مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في مجالات النقل والسكك الحديدية وتطوير الموانئ، إلى جانب بناء المستشفيات والمدارس والتوسع فيها، باعتبارها من المشاريع المهمة التي تسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. وبين أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات الحكومية، وتفعيل مواد الحوافز المنصوص عليها في قانون تنظيم البيئة الاستثمارية، بما يسهم في جذب المزيد من المستثمرين وتشجيع الاستثمار في المناطق التنموية. ولفت ابو حلتم إلى أهمية التوسع في منح الحوافز الاستثمارية في المناطق التنموية والمدن الصناعية، خصوصا في محافظات معان والكرك والطفيلة، بما ينسجم مع هدف توزيع مكتسبات التنمية على مختلف المحافظات، مشيرا إلى أن الحكومة بدأت بالفعل بمنح حوافز خاصة لبعض المدن الصناعية والمناطق التنموية في الأطراف. وأكد أهمية التركيز على المشاريع المرتبطة بالصناعات عالية القيمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، والصناعات الداعمة للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارها من المجالات التي يمكن أن تسهم في تطوير الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته التنافسية. وشدد على ضرورة وضع خطة عمل واضحة ضمن البرنامج التنفيذي المنبثق عن رؤية التحديث الاقتصادي، بما يضمن تسريع تنفيذ المشاريع والمبادرات وتحويلها إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع. وقال أبوحلتم إن تأكيد جلالة الملك ضرورة تسريع إنجاز المشاريع الكبرى يعيد تسليط الضوء على العلاقة العضوية بين التحديث الاقتصادي والتحديث الإداري، باعتبار أن نجاح الأول يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القطاع العام على توفير بيئة عمل كفؤة وميسرة للقطاع الخاص، وتمكينه من تنفيذ المشاريع والاستثمارات دون عوائق إجرائية غير مبررة. وأوضح أن البرنامج التنفيذي الثاني يتضمن 394 مشروعاً موزعة على 183 مبادرة قطاعية، بكلفة تأشيرية تقدر بنحو 3.8 مليار دينار، منها نحو 1.3 مليار دينار للعام 2026، الأمر الذي يعكس حجم المسؤولية التنفيذية والمالية الملقاة على عاتق المؤسسات الحكومية، ويجعل كفاءة المتابعة وتحديد الأولويات وضبط الإنفاق عوامل حاسمة في تحقيق النتائج المستهدفة. وأكد أن هذه المشاريع يجب أن تخضع لمنظومة متابعة مستمرة، تستند إلى مؤشرات الأداء الرئيسية، وتقيس نسبة الإنجاز الفعلية، ومدى الالتزام بالجداول الزمنية، لافتاً إلى أهمية تفعيل أدوات الرقابة الرقمية والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ورصد الاختلالات وتقديم مؤشرات مبكرة تساعد على تصويب المسار. وبين أبوحلتم أن وجود منصات لمتابعة أداء الجهات الحكومية يمثل خطوة مهمة، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة تكمن في تحويل البيانات إلى قرارات وإجراءات تصحيحية، وعدم الاكتفاء بتسجيل نسب الإنجاز أو إصدار تقارير دورية لا تنعكس على سرعة التنفيذ وكفاءة الأداء. وأشار إلى أن مجلس الأمة يتحمل مسؤولية مهمة في هذه المرحلة من خلال دوره التشريعي والرقابي، ومتابعة مدى التزام الحكومة بتنفيذ البرنامج التنفيذي وفق المبادرات والمشاريع والمؤشرات المعلنة، بما يعزز المساءلة المؤسسية ويضمن أن تكون الأولويات الاقتصادية حاضرة في التشريعات والقرارات والرقابة على الأداء الحكومي. أكد نقيب النقابة اللوجستية الأردنية نزار صالح أن خطاب العرش السامي، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني لدى افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حمل رسائل وطنية واضحة تجمع بين صون أمن الأردن ووحدته، وتسريع الإنجاز الاقتصادي، وترسيخ سيادة القانون، بما يعزز منعة الدولة ويحفظ مصالح المواطنين. وقال صالح إن تأكيد جلالته أن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب القرار يضع مسؤولية كبيرة على مختلف المؤسسات لترجمة التوجيهات الملكية إلى إجراءات عملية ونتائج ملموسة، تنعكس على مستوى المعيشة، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني. وأضاف أن دعوة جلالة الملك إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى في مسار التحديث الاقتصادي تستدعي تكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، ومعالجة المعيقات التي تواجه الاستثمار والإنتاج، وربط خطط التنفيذ بمواعيد واضحة ومؤشرات تقيس الأثر الفعلي على الاقتصاد وحياة المواطنين. وأوضح صالح أن القطاع اللوجستي شريك أساسي في تحقيق هذه الأهداف، لما يمثله من حلقة وصل بين قطاعات التجارة والصناعة والزراعة والأسواق المحلية والخارجية، مؤكدا أن تطوير منظومة النقل والخدمات اللوجستية، وتبسيط الإجراءات، وتسريع التحول الرقمي، من شأنه خفض كلف الأعمال، ورفع كفاءة سلاسل التوريد، وتعزيز تنافسية المنتجات الأردنية. وأشار إلى أن البناء على موقع الأردن ودوره الإقليمي يتطلب مواصلة تطوير البنية التحتية والخدمات المرتبطة بحركة البضائع والتجارة، وتوسيع الشراكة مع العاملين في القطاع، بما يدعم قدرة المملكة على جذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل نوعية ومستدامة. وشدد صالح على أن الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية تشكل أساسا راسخا لأي تقدم اقتصادي، معربا عن اعتزاز النقابة بالقوات المسلحة الأردنية–الجيش العربي والأجهزة الأمنية، وتقديرها لتضحياتها في حماية الوطن وصون أمن أبنائه، ومؤكدا أن تماسك الأردنيين والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية مصدر قوة في مواجهة التحديات. وأكد أن النقابة اللوجستية الأردنية تتطلع إلى شراكة مؤسسية فاعلة مع الجهات المعنية، تسهم من خلالها بخبرة منتسبيها ومقترحاتهم في تطوير القطاع ومعالجة تحدياته، انطلاقا من الإيمان بأن الاستجابة للتوجيهات الملكية تكون بالعمل المسؤول والإنجاز الذي يلمس المواطن أثره، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والصمود. ومن جانبه أكد الباحث الاقتصادي طارق حجازي أن توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش السامي، بشأن تسريع إنجاز المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، تمثل رسالة واضحة بضرورة الانتقال إلى مرحلة التنفيذ والإنجاز، وترجمة الخطط والاستراتيجيات إلى نتائج اقتصادية ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. وقال حجازي إن المرحلة الحالية تتطلب تسريع وتيرة العمل في المشاريع الاستراتيجية، ووضع جداول زمنية واضحة وملزمة لتنفيذها، مع تحديد الجهات المسؤولة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن عدم تأخر المشاريع عن مواعيدها المحددة، ويعزز كفاءة الإنفاق العام والاستفادة من الموارد المتاحة. وأضاف أن المطلوب اليوم هو وجود متابعة حكومية أكثر فاعلية للمشاريع، بإشراف مباشر من رئاسة الوزراء، ومعالجة أي معيقات إدارية أو تشريعية أو تمويلية قد تؤخر التنفيذ، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية، ونشر مؤشرات دورية توضح نسب الإنجاز والتقدم في كل مشروع. وأشار إلى أن القطاع الخاص يجب أن يكون شريكا رئيسيا في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، من خلال توسيع مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتسريع إجراءات طرح العطاءات وإحالة المشاريع، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة ومحفزة، بما يتيح استقطاب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية. وشدد حجازي على أهمية إعطاء الأولوية للمشاريع التي تحقق أثرا اقتصاديا مباشرا، سواء من حيث توفير فرص العمل، أو زيادة الإنتاج والصادرات، أو خفض كلف ممارسة الأعمال، مؤكداً أن نجاح رؤية التحديث الاقتصادي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات المعلنة، وإنما بمدى انعكاسها على مستوى معيشة المواطنين، وقدرتها على توفير فرص عمل مستدامة، خصوصا للشباب. ولفت إلى أن قطاعات المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية والصناعة والسياحة والتكنولوجيا تمثل ركائز أساسية للنمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، وأن تسريع المشاريع فيها من شأنه تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع قدرته على جذب الاستثمارات. وفي هذا السياق، اعتبر أن تأكيد جلالة الملك على أولوية الأمن المائي يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، باعتباره عنصراً أساسيا للأمن الاقتصادي والغذائي والاستثماري، مشيرا إلى أن تسريع مشاريع المياه الوطنية، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني، إلى جانب خفض الفاقد المائي وتطوير مصادر المياه، يمثل استثمارا ضروريا لضمان استدامة النمو وحماية حقوق الأجيال القادمة. وأكد حجازي أن الأردن يمتلك فرصا استثمارية ومقومات تنافسية مهمة، إلا أن استثمار هذه المقومات يتطلب سرعة في اتخاذ القرار، وتبسيط الإجراءات الحكومية، وتعزيز الاستقرار التشريعي، وربط المشاريع باحتياجات السوق وفرص التشغيل الفعلية. وبين حجازي إن الرسالة الاقتصادية الأبرز في خطاب العرش هي أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة الإنجاز وقياس النتائج، وأن تتحول رؤية التحديث الاقتصادي من مستهدفات وخطط إلى مشاريع قائمة وفرص عمل واستثمارات منتجة، بحيث يشعر المواطن بأثرها في دخله ومعيشته ومستقبل أبنائه. وفي هذا الشأن قال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان، أن تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش على أهمية المشاريع الكبرى وتوجيه الحكومة إلى تسريع إنجازها يعكس رؤية استراتيجية لتعزيز قوة الاقتصاد الأردني واعتماده على إمكاناته الذاتية، وترسيخ موقع المملكة مركزاً اقتصادياً ولوجستياً في المنطقة. وأوضح أن هذه المشاريع لا تستهدف تحفيز النمو فحسب، وإنما معالجة تحديات هيكلية تتعلق بالمياه والطاقة والنقل، وبناء قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الإقليمية وتقليل التأثر بتداعياتها. وبيّن السرحان أن تشديد جلالة الملك على أولوية الأمن المائي يكتسب أهمية اقتصادية استثنائية، في ظل محدودية الموارد المائية وتأثيرها المباشر في فرص التوسع الصناعي والزراعي والاستثماري. وأشار إلى أن مشروع الناقل الوطني، الذي يستهدف توفير 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بما يعادل نحو 40% من احتياجات مياه الشرب في المملكة، يمثل استثماراً استراتيجياً في الأمن الاقتصادي والاجتماعي، فتعزيز قدرة الأردن على توفير احتياجاته المائية بصورة مستدامة يقلل تعرضه للمخاطر الخارجية، ويمنح المستثمرين ثقة أكبر باستمرارية الإنتاج والتوسع. وأشار السرحان إلى أن البعد الإقليمي للمشاريع الكبرى يتجسد في مشروع سكة حديد العقبة، باستثمارات أردنية إماراتية تقدر بنحو 2.3 مليار دولار، وشبكة تمتد لنحو 360 كيلومتراً، بطاقة مستهدفة لنقل قرابة 16 مليون طن سنوياً من الفوسفات والبوتاس. وأوضح أن أهميته تتجاوز خفض تكاليف نقل الصادرات التعدينية، إذ يمكن أن يشكل نواة لشبكة أوسع تربط ميناء العقبة بالأسواق العربية والإقليمية، وتعزز قدرة الأردن على الاستفادة من موقعه الجغرافي ليصبح شريكاً رئيسياً في حركة التجارة وسلاسل الإمداد. ولفت السرحان إلى أن الاعتماد على الذات لا يعني الانغلاق الاقتصادي أو الاستغناء عن الاستثمارات والشراكات الدولية، بل توظيفها لبناء قدرات وطنية مستدامة، فالشراكات الناجحة هي التي تنقل التكنولوجيا والخبرات، وتوسع مشاركة الشركات الأردنية، وتزيد مساهمة العمالة المحلية، وتترك وراءها أصولاً إنتاجية وبنية تحتية ترفع تنافسية الاقتصاد لسنوات طويلة. ومن هنا، فإن سرعة الإنجاز يجب أن تقترن بجودة التنفيذ وتعظيم المحتوى المحلي والعائد الاقتصادي من كل دينار يُستثمر. واختتم السرحان بالتأكيد أن الرسالة الملكية وضعت الحكومة أمام مسؤولية تحويل المشاريع الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة، من خلال الالتزام بالجداول الزمنية وإزالة معيقات التنفيذ وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية. وأكد أن نجاح هذه المشاريع لا يقاس بقيمتها الاستثمارية فقط، وإنما بما تحققه من أمن مائي، وكفاءة في النقل، واستثمارات إضافية، وفرص عمل، وقدرة أكبر للأردن على تلبية احتياجاته وتعزيز حضوره الاقتصادي في المنطقة، بما ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين ومستقبل أبنائهم. بدوره قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الرقاد ان خطاب الملك عبدالله الثاني في مجلس النواب هو بمثابة خارطة عمل للمرحلة المقبلة وان على الحكومة ان تترجم توجيهات جلالته بما يتوافق ومخرجات رؤية التحديث الاقتصادي وبما يعود بالفائدة والنفع على الجميع. واضاف ان جلالته اكد على أهمية البعد الاقتصادي في اكثر من مناسبة مشيرا إلى ان ما يميز خطاب جلالته امس هو التاكيد على ضرورة وجود ادارة قادرة على اتخاذ القرار المناسب وخاصة فيما يتعلق بالمشاريع الحيوية والتي تمس الامن الاقتصادي بشكل مباشر، مع ضرورة ادماج الشباب في تلك القطاعات انسجاماً مع ما ينادي به جلالته دائما وهذا يتطلب خططا وبرامج اقتصادية واضحة. وأضاف بفضل توجيهات جلالته فقد اقرت الحكومة في موازنة العام المقبل زيادة على رواتب العاملين والمتقاعدين العسكريين والمدنيين وان ذلك سينعكس بتحسين مستوى معيشة المواطن، مشيرا ايضا الى اهمية ان يكون لدى الحكومة خطط وبرامج لتوفير فرص عمل للشباب لتقليل معدلات الفقر والبطالة وهذا يتطلب من الحكومة تمكين المستثمر المحلي وتوفير بيئة مناسبة له، والعمل علي جلب الاستثمارات الخارجية بما يحقق تكاميلة تخدم الاقتصاد الوطني. من جهته، قال المتخصص في مشاريع الطاقة وأنظمة التحكم الدكتور فراس بلاسمة إن التوجيه الملكي بتسريع إنجاز المشاريع الكبرى يمثل اختباراً لقدرة الدولة على تحويل رؤيتها الاقتصادية إلى نتائج وطنية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من قياس حجم الاستثمارات والقدرات الإنتاجية المعلنة إلى قياس القيمة الاقتصادية الفعلية التي تحققها هذه المشاريع. وأضاف أن تأكيد جلالة الملك أن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب كل قرار يضع معياراً جديداً لتقييم السياسات الاقتصادية، يقوم على قياس أثر الاستثمار في المعيشة وفرص العمل والتنافسية، وليس الاكتفاء بالإعلان عن إطلاق المشاريع أو توقيع الاتفاقيات. وأوضح أن قطاع الطاقة يمثل أحد أبرز القطاعات التي يمكن من خلالها قياس نجاح هذا التحول، باعتباره مدخلاً رئيسياً لكلفة الإنتاج الصناعي والزراعي، وعنصراً مؤثراً في تنافسية الاقتصاد وقدرته على جذب الاستثمارات، فضلاً عن ارتباطه المباشر بالأمن الوطني والسيادة الاقتصادية. وبين أن الأردن حقق تقدماً في مجال الطاقة المتجددة، إذ بلغت مساهمتها نحو 26.3 بالمئة من إجمالي توليد الكهرباء بنهاية عام 2025، وفق بيانات وزارة الطاقة والثروة المعدنية، إلا أن هذا التقدم ينبغي أن يقترن بإصلاح متكامل لمنظومة الكهرباء، لأن ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة الكهرباء بالنسبة ذاتها. وأشار إلى أن كلفة الكهرباء لا تتحدد بسعر التوليد وحده، وإنما تشمل شبكات النقل والتوزيع، والقدرات الاحتياطية، والتخزين، والتمويل، والالتزامات التعاقدية، ما يجعل التحدي الحقيقي هو خفض الكلفة الكلية للكهرباء الموردة للمستهلك مع الحفاظ على موثوقية التزويد واستقرار الشبكة. وأكد أن استراتيجية قطاع الطاقة للأعوام 2025-2035، التي أقرتها الحكومة في أيار 2026، تمثل إطاراً مهماً لتوجيه الاستثمارات، إذ تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 40 بالمئة من خليط الكهرباء بحلول عام 2035، والبدء بالإنتاج التجاري للهيدروجين الأخضر عام 2030، وصولاً إلى إنتاج نصف مليون طن سنوياً بحلول عام 2035. وأضاف أن تحقيق هذه المستهدفات يتطلب تطوير شبكات النقل ومحطات التحويل، وتحديث أنظمة الحماية والتحكم، والتوسع في تقنيات التخزين الكهربائي، وإدارة الأحمال، والاستفادة من تقنيات التنبؤ بالإنتاج والاستهلاك، بما يضمن استيعاب الطاقة المتجددة وتحويلها إلى كهرباء يمكن الاعتماد عليها اقتصادياً وفنياً. وأوضح أن مشاريع التخزين والبطاريات والتخزين المائي تمثل جزءاً مهماً من التحول المطلوب، لأنها تساعد على إدارة التفاوت بين ساعات إنتاج الطاقة المتجددة وساعات الاستهلاك، وتخفيف أحمال الذروة، وتحسين استقرار الشبكة، إلا أن نجاحها يرتبط بدراسات الجدوى واختيار المواقع والسعات المناسبة، واحتساب الوفر الاقتصادي الذي تحققه على مستوى المنظومة بأكملها. وشدد على أن تسريع مشاريع الطاقة يجب أن ينعكس على القطاعات الإنتاجية، خصوصاً الصناعة والزراعة، من خلال تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتطوير آليات التزود بها، وتوسيع فرص التوليد الذاتي وعقود شراء الكهرباء وفق الأطر التنظيمية، إلى جانب تشجيع المنشآت على تبني تقنيات كفاءة الطاقة واستعادة الحرارة المهدرة وتحسين أنظمة التشغيل. ولفت إلى أن خفض كلفة الطاقة على المنشآت الصناعية لا يمثل مجرد وفر تشغيلي، بل يمكن أن يتحول إلى قدرة إضافية على التوسع وزيادة الإنتاج والتصدير، فيما يؤدي تحسين كفاءة الطاقة في المنشآت الزراعية إلى تعزيز الإنتاجية، شريطة أن يرتبط ذلك بإدارة مستدامة للمياه، حتى لا يتحول خفض فاتورة الطاقة إلى عامل يزيد الضغط على الموارد المائية. وفيما يتعلق بالهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، أكد بلاسمة أن الأردن يمتلك فرصاً واعدة في هذا المجال، خصوصاً في العقبة، لكن نجاح هذه المشاريع يتطلب الانتقال من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى الإغلاق المالي والتنفيذ والإنتاج التجاري، وتوفير مصادر مياه مستدامة وبنية تحتية متكاملة وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج، مع إعطاء الأولوية لتعظيم القيمة المضافة المحلية وربط هذه الصناعات بالاقتصاد الوطني. وأكد أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو إيجاد آلية تنفيذية متكاملة لمتابعة مشاريع الطاقة الاستراتيجية، ترتبط بأهداف رؤية التحديث الاقتصادي، وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية، وتستخدم مؤشرات قابلة للقياس تشمل كلفة الكهرباء الموردة، والخسائر المالية، والفاقد الكهربائي، ومدد الربط، وحجم الطاقة المتجددة المستفاد منها فعلياً، والوفورات التي تحققت للقطاعات الإنتاجية. تعزيز الثقة بالسياسات الاقتصادية وإدارة الموارد. بدوره، قال المحلل الاقتصادي الدكتور رامي كمال النسور إن خطاب العرش السامي يؤسس لمرحلة تتطلب الانتقال من وضع الخطط والاستراتيجيات إلى سرعة التنفيذ، خصوصاً في المشاريع الكبرى المرتبطة بالأمن الاقتصادي والمائي والطاقة والبنية التحتية. وأضاف أن التحدي الذي يواجه الأردن لا يرتبط بتوفير التمويل للمشاريع الاستراتيجية وحده، بل بقدرة المؤسسات على الجمع بين التمويل وسرعة التنفيذ وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي، لأن تأخر المشاريع الكبرى لا يعني تأجيل إنجازها فقط، بل قد يؤدي إلى ارتفاع كلفتها الرأسمالية والتمويلية، وتأخير عوائدها، وإضعاف قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الفرص المتاحة. وأوضح أن المشاريع الكبرى، ولا سيما في قطاعي المياه والطاقة، تحتاج إلى مزيج تمويلي متكامل، يشمل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتمويل الميسر، والضمانات الدولية، والتمويل الممزوج الذي يجمع المنح والقروض والاستثمار الخاص، إلى جانب السندات الخضراء وصناديق البنية التحتية. وبين أن اختيار الأداة التمويلية يجب أن يرتبط بطبيعة المشروع ومخاطره وعوائده وفترة استرداد كلفته، بحيث لا يتحول التمويل إلى عبء إضافي على المالية العامة، بل إلى أداة لتعبئة رأس المال وتوزيع المخاطر وتحسين كفاءة الاستثمار، مع ضمان قدرة المشاريع على الاستمرار وتقديم خدماتها بأسعار وكلف قابلة للاستدامة. وأشار النسور إلى أن التباطؤ البيروقراطي يمثل أحد أعلى التكاليف غير المرئية على الاقتصاد، لأنه لا يؤخر تنفيذ المشاريع فحسب، بل يرفع كلف الإنشاء والتمويل، ويؤجل العوائد المتوقعة، ويحرم السوق من فرص العمل والاستثمار والإنتاج التي كان يمكن أن تتولد عن دخول المشاريع إلى الخدمة في وقتها المحدد. وأكد أن المستثمر المحلي والأجنبي يبحث عن بيئة تتسم بسرعة القرار ووضوح الإجراءات واستقرارها، موضحا ان الإصلاح الإداري جزءاً لا يتجزأ من السياسة الاقتصادية والاستثمارية. ولفت إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تحديداً واضحاً للمسؤوليات، ووضع جداول زمنية ملزمة للمشاريع، وتحديد الجهات المسؤولة عن كل مرحلة من مراحل التنفيذ، ومحاسبة الجهات التي تتسبب في التأخير دون مبررات موضوعية، مع ضرورة التمييز بين التأخير الناتج عن تعقيدات إدارية والتحديات الفنية أو التمويلية أو الظروف الخارجية التي تتطلب حلولاً مختلفة. وفيما يتعلق بقياس أثر المشاريع، قال النسور إن المطلوب هو الانتقال من مؤشرات تقيس حجم الإنفاق ونسبة الإنجاز إلى مؤشرات تقيس النتائج الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يقتصر تقييم المشروع على اكتمال الإنشاء أو الالتزام بالموازنة، وإنما يمتد إلى عدد فرص العمل التي وفرها، وحجم الاستثمار الذي استقطبه، ومدى مساهمته في رفع الإنتاجية، وخفض كلفة الخدمات، وتحسين جودتها، وتعزيز مستوى دخل المواطنين. وأضاف أن بناء منظومة رقابية فاعلة يتطلب نشر مؤشرات الأداء بصورة دورية وشفافة، وتحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، والإعلان عن أسباب التأخير والإجراءات التصحيحية، إلى جانب وجود جهة رقابية مستقلة تتولى متابعة النتائج بالتعاون مع المؤسسات المعنية، وترفع تقارير دورية إلى مجلس الأمة والرأي العام. وأكد أن السؤال الذي يجب أن يحكم تقييم أي مشروع اقتصادي هو: ماذا أضاف هذا المشروع للاقتصاد؟ وماذا غيّر في حياة المواطن؟ وليس فقط كم بلغت كلفته أو ما نسبة الإنجاز فيه، مشيراً إلى أن ربط الإنفاق العام بالعائد التنموي يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز الثقة بالسياسات الاقتصادية ورفع كفاءة إدارة الموارد.
المصدر: الدستور