شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عرشان يوقظ ذاكرة "سنوات الرصاص".. من اقتلاع الأسنان إلى ميدالية بـ23 أورو

عرشان يوقظ ذاكرة "سنوات الرصاص".. من اقتلاع الأسنان إلى ميدالية بـ23 أورو

بعد أكثر من نصف قرن على الوقائع التي يستحضرها ضحايا “سنوات الرصاص”، تعود مدينة تيفلت إلى واجهة المواجهة بين الذاكرة الحقوقية والماضي الأمني لمؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية محمود عرشان، على خلفية دعوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى تنظيم وقفة احتجاجية يوم الأحد 8 نونبر الجاري، قابلها نداء صادر عن الكتابة المحلية لحزب “النخلة”، الذي يقوده نجله عبد الصمد عرشان، يدعو إلى تعبئة مضادة، مستعملا عبارات التخوين والوعيد في حق المنتقدين.

وأعاد النداء الحزبي إلى التداول اتهامات ظلت تلاحق عرشان منذ عقود، استنادا إلى شهادات معتقلين سياسيين سابقين ووقائع تعود إلى مرحلة اشتغاله في جهاز الأمن، قبل انتقاله إلى العمل السياسي وتأسيس حزبه سنة 1996، في مسار شهد مواجهات قضائية وحقوقية وسجالات علنية مع شخصيات بارزة من ضحايا تلك المرحلة، من بينها المعارض الراحل أبراهام السرفاتي.

ولا تبدو المواجهة الحالية في تيفلت منفصلة عن تاريخ طويل من السجال؛ فقد شهدت المدينة نفسها احتجاجات على ترشيح عرشان خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002، بينما امتد الجدل حول ماضيه إلى الصحافة الفرنسية والمحاكم المغربية، ووصل سنة 2018 إلى مجلس الشيوخ الفرنسي، عقب تسلمه ميدالية من سيناتور فرنسي، قبل أن تعيد مداخلته الأخيرة بمجلس المستشارين فتح الملف من جديد.

فقد حمل البيان الصادر عن الكتابة المحلية للحركة الديمقراطية الاجتماعية بتيفلت عنوان “نداء لأبناء تيفلت ولجميع الغيورين على وطنهم”، واستعمل أوصافا حادة، من قبيل “العملاء والخونة ومستوردي الإرهاب والمتواطئين مع الخارج”، متهما إياهم بالوقوف وراء تصفية شخصيات من المقاومة المغربية، من بينها عباس المساعدي وعبد العزيز بن إدريس، وبارتكاب جرائم في منطقتي بويزكارن وآيت باعمران، فضلا عن نهب ثروات البلاد بعد الاستقلال.

وواصل البيان تصعيده بالحديث عن “ماضيهم الدموي الأسود”، مهاجما من وصفهم بـ”الوارثين للعهد الستاليني وتلامذة كوبلز الهتليري”، قبل أن يتوعدهم بأنهم “سوف يفاجؤون بالدرس الذي سيلقن لهم”، في سياق الدعوة إلى تعبئة ميدانية بساحة المغرب العربي، بالتزامن مع الوقفة الحقوقية.

وأثار النداء انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، ربط أصحابها بين لغة البيان والماضي المهني لمؤسس الحزب، واستحضروا اتهامات التعذيب التي ظلت ترافق اسمه، فيما أثار الاستشهاد بآيات من سورة الطارق في ختام الوثيقة انتقادات أخرى بشأن توظيف النص الديني في سجال سياسي وحقوقي متوتر.

أرشيف اتهامات لم يُغلق

في يونيو 2000، وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، شهدت أنشطة المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف استحضار شهادات لمعتقلين سياسيين سابقين تضمنت اتهامات مباشرة لمحمود عرشان بالمشاركة في ممارسات تعذيب خلال فترة اشتغاله في جهاز الشرطة.

ومن أبرز الشهادات المنسوبة إلى معتقلين سابقين شهادة مبارك الزليطي، الذي اتهم عرشان بانتزاع ثمانية من أسنانه وغرس مسمار في قدمه أثناء اعتقاله في ستينيات القرن الماضي.

وبحسب الرواية المنقولة عن شهادته، فقد تحدث الزليطي عن هذه الانتهاكات خلال مقابلة مصورة مع الحقوقي صلاح الوديع، نائب رئيس المنتدى آنذاك، وأظهر أثرا في أسفل قدمه اليمنى.

ووردت في السياق نفسه شهادة المعتقل السابق محمد مهري، الذي تحدث عن اختطافه سنة 1964 من منزله على أيدي مجموعة من رجال الشرطة، وذكر أن محمود عرشان كان ضمنها.

ولم تكن الشهادات التي طالت محمود عرشان مجرد اتهامات عابرة؛ فقد سمّاه معتقلون سياسيون سابقون صراحة، ورووا تفاصيل ما قالوا إنهم تعرضوا له على أيدي رجال الأمن خلال سنوات الرصاص.

ورغم نفي عرشان المتكرر مسؤوليته عن التعذيب، ظلت هذه الشهادات حاضرة في الأرشيف الحقوقي، وعادت إلى الواجهة كلما دافع عن ماضيه الأمني ومساره السياسي.

ولم يقتصر حضور اسم عرشان على روايات المعتقلين السابقين؛ فقد أدرجته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ضمن لائحة أعلنتها سنة 2001، ضمت 45 شخصية طالبت الجمعية بالتحقيق في مسؤولياتها عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال العقود التي أعقبت استقلال المغرب.

ووثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” هذه اللائحة في تقريرها الصادر سنة 2005 بشأن هيئة الإنصاف والمصالحة، مشيرة إلى أن عرشان رد على الاتهامات بتأكيد أنه خدم بلاده واحترم القوانين.

وفي مارس 2004، أعادت شهادات الضابط السابق أحمد البخاري الجدل بشأن مسؤوليات عدد من رجال الأمن خلال تلك المرحلة.

وكان الراحل البخاري قد وجه اتهامات مباشرة إلى عرشان بشأن ممارسات التعذيب داخل أجهزة الشرطة، وربط اسمه بمركز درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، الذي ارتبط في الذاكرة الحقوقية المغربية بالاعتقال السياسي والاستنطاق والتعذيب.

من شهادات المعتقلين إلى محاكمات الصحافة

قبل أن يتحول اسم عرشان إلى أحد الأسماء الحاضرة في مطالب الجمعيات الحقوقية، كان ماضيه الأمني قد أثار مواجهة قضائية مع الصحافية نرجس الرغاي.

وتعود جذور النزاع إلى سنة 1999، بعدما أدلى عرشان بتصريحات صحافية تناول فيها تاريخ العنف السياسي في المغرب بعد الاستقلال، وردت عليها الرغاي بمقال نشرته جريدة “البيان”، انتقدت فيه ماضيه في الشرطة القضائية، وأثارت مسألة الاتهامات الموجهة إليه بشأن التعذيب، وشككت في جوانب من روايته عن تاريخ المقاومة.

واعتبر عرشان أن المقال تضمن تشهيرا بحقه، فلجأ إلى القضاء ضد الصحافية ومدير النشر آنذاك نبيل بنعبد الله، قبل أن تتطور القضية عبر مراحل قضائية متعاقبة.

وفي المقابل، نشرت صحيفة تابعة للحركة الديمقراطية الاجتماعية، مقالا تضمن عبارات شخصية مهينة بحق نرجس الرغاي، ما دفعها إلى مقاضاة المسؤولين عن الجريدة.

وفي 7 يونيو 2000، أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط حكما بشهر حبسا موقوف التنفيذ في حق محمود عرشان إلى جانب غرامة قدرها ألف درهم وتعويض رمزي لفائدة الصحافية، في قضية التشهير التي رفعتها ضده.

غير أن المواجهة القضائية التي أثارها مقال “البيان” استمرت بعد ذلك، إلى أن أيدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم 29 يناير 2004، حكما ضد نرجس الرغاي ونبيل بنعبد الله، قضى بغرامة قدرها ألف درهم وتعويض رمزي لفائدة عرشان.

وكان لافتا في هذه المحطة رفض المحكمة، خلال جلسة سابقة عقدت يوم 8 يناير 2004، طلب دفاع الصحافية استدعاء شهود قال إنهم يستطيعون الإدلاء بشهادات بشأن الوقائع التي تناولتها في مقالها، وهو القرار الذي أثار احتجاج هيئة الدفاع وانسحابها من الجلسة.

وفي حوار صحافي عقب صدور الحكم، دافعت الرغاي عن مضمون ما كتبته، معبرة عن أسفها لعدم تمكينها من تقديم الشهادات التي كانت تريد عرضها أمام المحكمة.

تيفلت سنة 2002.. مواجهة في معقل عرشان

لم تظل المواجهة بشأن ماضي عرشان محصورة في قاعات المحاكم والمنابر الصحافية، بل امتدت إلى المجال الانتخابي المحلي.

ففي شتنبر 2002، خلال الحملة الانتخابية التشريعية، تحولت تيفلت إلى ساحة احتجاج علني على ترشيح محمود عرشان، الذي كان يعد من أبرز الوجوه السياسية بالمدينة، ويجمع بين رئاسة جماعتها وموقعه الحزبي والبرلماني.

وشهدت المدينة تجمعات لمكونات اليسار الاشتراكي الموحد، ردد خلالها مشاركون شعارات تنتقد ماضي عرشان الأمني وتصفه بأنه “جلاد سابق”، فيما شارك في التعبئة عدد من الحقوقيين والمعتقلين السياسيين السابقين، من بينهم ابن المنطقة الراحل إدريس بنزكري، الذي قضى نحو 17 سنة في السجن قبل الإفراج عنه.

واعتبر بنزكري، الذي كان من أبرز وجوه المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، أن مجرد ترشيح عرشان يمثل “ازدراء للمجتمع المغربي”، في موقف ربط فيه بين المسار الانتخابي وضرورة الاعتراف بمعاناة ضحايا الاعتقال السياسي والتعذيب.

وشهدت تيفلت خلال تلك الفترة تعبئات واحتجاجات تزامنت مع الاقتراع التشريعي وسط أجواء توتر شديد نتجت عنه مواجهات سياسية واحتجاجات على ظروف العملية الانتخابية.

وانتهت الانتخابات التشريعية لذلك العام بخسارة عرشان مقعده بمجلس النواب، في وقت تراجع فيه تمثيل الحركة الديمقراطية الاجتماعية، بعد أن كانت قد حققت حضورا برلمانيا مهما خلال انتخابات سنة 1997.

غير أن المواجهة الانتخابية لم تتوقف عند إعلان النتائج، إذ كشفت وثيقة رسمية للمجلس الدستوري أن محمود عرشان تقدم، إلى جانب المرشحين عبد الواحد الهدلي وكريم مول البلاد، بطعون لإلغاء نتائج اقتراع 27 شتنبر 2002 بدائرة تيفلت–الرماني.

وتضمن الطعن الذي تقدم به عرشان حديثا عن مظاهرة مناهضة له يوم الاقتراع أمام مكتب التصويت رقم 12 بجماعة تيفلت، شارك فيها، وفق ادعائه، أكثر من 150 شخصا، ونظمها ممثلون عن أحزاب يسارية وجمعيات، معتبرا أن ما رافقها من سب وقذف أثر في حظوظه الانتخابية وحرمه من أصوات.

لكن المجلس الدستوري، في قراره رقم 517 الصادر يوم 10 يونيو 2003، رفض هذا المأخذ، موضحا أن ادعاء عرشان لم يسند بأي حجة تثبت صحته أو تحدد مدى تأثيره في نتيجة الاقتراع، كما رفض طلبات إلغاء النتائج التي تقدم بها الطاعنون الثلاثة.

إيفلين السرفاتي.. شهادة من سنة 1972

تعود إحدى أقدم الوثائق المرتبطة بالسجال حول مسؤوليات الأجهزة الأمنية المغربية إلى 3 نونبر 1972، عندما نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية شهادة لإيفلين السرفاتي، شقيقة المعارض السياسي الراحل أبراهام السرفاتي.

وتحدثت إيفلين عن اعتقالها بالرباط يوم 26 شتنبر من السنة نفسها، واستمرار احتجازها حتى 4 أكتوبر 1972، وعن تعرضها خلال تلك الفترة لممارسات تعذيب بالصعق الكهربائي والخنق ومحاكاة الإعدام، بهدف حملها على تقديم معلومات بشأن مكان وجود شقيقها.

وأوضحت أن عناصر الشرطة رفضوا تصديق تأكيدها أنها لا تعرف مكان أبراهام، وأنها لم تكن تتوفر على معلومات بشأن تحركاته.

ولم تسمِّ إيفلين محمود عرشان في شهادتها المنشورة سنة 1972، لكن اسمه ظهر لاحقا في مواجهة مباشرة مع أبراهام السرفاتي بشأن المسؤوليات الأمنية داخل الشرطة القضائية بالرباط خلال الفترة نفسها.

ففي 24 أكتوبر 2002، نشرت “لوموند” رسالة لعرشان نفى فيها أن يكون له ماض مرتبط بالتعذيب، متحديا من يتهمونه بتقديم أدلة على صحة ما يقولون.

وكشف في الرسالة نفسها أنه سبق أن طالب، في أبريل 2000، بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية بشأن أحداث من التاريخ المغربي الحديث، مدعوما، بحسب تصريحه، بتوقيع 61 نائبا، وأن طلبه لم يحصل على جواب.

وبعد ثلاثة أيام، نشرت الصحيفة الفرنسية ردا من أبراهام السرفاتي، أكد فيه أنه تعرض للتعذيب أواخر يناير 1972 داخل مقر تابع للشرطة القضائية بالرباط، وأن شقيقته إيفلين تعرضت للتعذيب داخل المقر نفسه خلال أكتوبر من السنة ذاتها.

وقال السرفاتي إن محمود عرشان كان، خلال تلك الفترة، يتولى رئاسة المصلحة الجهوية للشرطة القضائية بالرباط، ويشرف على المصلحة الحضرية التي جرى فيها احتجازهما.

وأشار أيضا إلى أن شقيقته توفيت بعد سنتين من تلك الوقائع، معتبرا أن التعذيب الذي تعرضت له ساهم في وفاتها.

وفي 28 دجنبر 2002، نشرت “لوموند” رسالة جديدة لمحمود عرشان، أكد فيها أنه كان يعمل بالأكاديمية الملكية للشرطة بالجديدة منذ فاتح يوليوز 1970 إلى بداية سنة 1973، بصفته مكونا في مجال الشرطة القضائية، معتبرا أن هذا المعطى يدحض الرواية التي قدمها السرفاتي بشأن موقعه الوظيفي.

وعرض عرشان تقديم وثائق تثبت روايته أمام لجنة يختارها المعارض الراحل للتحقق من المعطيات، بينما تمسك السرفاتي بموقفه، معتبرا أن مزاولة مهام التكوين في أكاديمية الشرطة لا تتعارض بالضرورة مع تولي مسؤوليات أمنية أخرى بالرباط.

ميدالية فرنسية بـ23 أورو

وامتد الجدل بشأن محمود عرشان إلى فرنسا سنة 2018، بعدما تسلم ميدالية من السيناتور الفرنسي كريستيان كامبون، رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية المغربية بمجلس الشيوخ.

وأثارت المبادرة احتجاج جمعيات مغربية وفرنسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب معتقلين سياسيين سابقين، وجهوا رسالة مفتوحة إلى رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه، عبروا فيها عن رفضهم تكريم شخص تتهمه منظمات حقوقية بالمشاركة في انتهاكات خلال “سنوات الرصاص”.

غير أن المفارقة برزت في توضيحات السيناتور الفرنسي نفسه، التي نشرتها صحيفة “لو باريزيان” يوم 29 يونيو 2018.

فقد نفى كامبون أن يتعلق الأمر بوسام ذهبي رسمي أو تكريم استثنائي، مؤكدا أنها ميدالية تذكارية تبلغ قيمتها 23 أورو، ويجري تقديمها عادة للزوار أو الشخصيات التي يلتقيها أعضاء المجلس في إطار العلاقات البرلمانية.

وأوضح أنه سلمها لعرشان بصفته رئيسا لمجموعة الصداقة الفرنسية المغربية، تقديرا للدور الذي كان يؤديه في العلاقات البرلمانية بين البلدين، معتبرا أن المسائل المتعلقة بماضيه ينبغي أن تناقش في المغرب.

وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة عند مقارنتها بالمداخلة التي قدمها محمود عرشان خلال أكتوبر الماضي بمجلس المستشارين، حين استحضر الميدالية الفرنسية ضمن العناصر التي يستند إليها للدفاع عن مساره، بينما سبق أن أوضح المسؤول الفرنسي الذي سلمها أنها تذكار بروتوكولي معتاد، وليست وساما رسميا أو حكما بشأن السيرة الأمنية لمن تسلمها.

من البرلمان إلى بيان تيفلت

عاد عرشان إلى قلب الجدل في أكتوبر 2026، بعدما تحولت مداخلة له بمجلس المستشارين، خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي يوم 21 أكتوبر، إلى مناسبة للدفاع عن تاريخه الشخصي والرد على منتقديه.

واستعرض المستشار البرلماني صفته نقيبا للشرفاء الأدارسة، وعضويته في المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ومشاركته في المسيرة الخضراء، فضلا عن حصوله على الميدالية الفرنسية.

ورد على منتقديه بوصفهم بـ”الطابور الخامس”، معلنا استعداده لخوض مناظرة تلفزيونية لمناقشة الاتهامات المرتبطة بماضيه الأمني.

وأثارت تلك التصريحات اعتراض خمس هيئات حقوقية، هي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، وجمعية عدالة من أجل محاكمة عادلة، ومعهد بروميتيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، والوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

واعتبرت الهيئات أن استعمال المنبر البرلماني لتوجيه اتهامات بالتخوين إلى منتقدي عرشان يمثل إساءة إلى ذاكرة الضحايا ومسار الحقيقة والإنصاف والمصالحة، ودعت إلى احترام الشهادات الحقوقية ومواصلة البحث في الملفات المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

كما أعادت تصريحات عرشان طرح فكرة تنظيم جلسة استماع علنية، يقدم خلالها ضحايا سابقون شهاداتهم بشأن وقائع التعذيب والاعتقال السياسي، في مقابل دعوته إلى مناظرة تلفزيونية للدفاع عن نفسه.

ويأتي بيان الكتابة المحلية للحركة الديمقراطية الاجتماعية بتيفلت ليضيف فصلا جديدا إلى هذا السجال، من خلال انتقال الخلاف من التصريحات البرلمانية والبيانات الحقوقية إلى الدعوة لتنظيم تعبئات ميدانية متقابلة في المدينة نفسها.

فالجمعية المغربية لحقوق الإنسان اختارت الدعوة إلى وقفة وطنية تحت شعار “من أجل محاسبة الجلادين وعدم الإفلات من العقاب”، فيما ردت الكتابة المحلية للحزب بنداء يستحضر تاريخ المقاومة ويهاجم منتقدي مؤسسه بلغة حادة، ملوحا بما سماه “الدرس” الذي سيلقن لهم.

وهكذا تعود تيفلت إلى استحضار مواجهة سياسية وحقوقية عرفتها قبل أكثر من عقدين، حين تحول ماضي عرشان الأمني إلى موضوع تعبئة انتخابية واحتجاجات في الشارع، قبل أن تتسع المواجهة هذه المرة لتشمل السجال البرلماني والبيانات الحقوقية والدعوات المتقابلة إلى التظاهر.

ويكشف الجدل الذي أثاره بيان تيفلت أن انتقال القيادة الحزبية إلى عبد الصمد عرشان لم ينه حضور الماضي الأمني لوالده في النقاش السياسي، وأن الملفات التي فتحتها شهادات المعتقلين السابقين ما زالت تطفو على السطح كلما عاد الرجل إلى الدفاع عن تاريخه أو توجيه الانتقادات إلى خصومه.

فبعد نحو 54 سنة على نشر شهادة إيفلين السرفاتي، و24 سنة على المواجهة العلنية بين شقيقها أبراهام ومحمود عرشان في صفحات “لوموند”، لا يزال الجدل دائرا حول المسؤوليات الأمنية خلال سنوات الرصاص، وما إذا كانت مسارات الحقيقة والإنصاف والمصالحة قد نجحت في الإجابة عن جميع الأسئلة التي طرحها الضحايا.

وبين شهادات المعتقلين، والوثائق الصحافية، والأحكام القضائية في قضايا التشهير، ورسائل النفي والدفاع عن النفس، يواصل ماضي محمود عرشان حضوره في الحاضر السياسي لمدينة تيفلت، التي تستعد لاحتضان مواجهة جديدة بين من يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات الأمس ومن يعتبرون استحضار ذلك الماضي استهدافا لمؤسس الحزب.

وتظل المفارقة أن الرجل الذي غادر جهاز الأمن قبل عقود، وخاض غمار الانتخابات وأسس حزبا وانتقل إلى مجلس المستشارين، ما زال يجد نفسه أمام الأسئلة نفسها التي لاحقته منذ بداية النقاش العلني حول سنوات الرصاص؛ أسئلة أعاد نداء صادر عن حزب يتزعمه نجله فتحها من جديد، لتعود تيفلت، مرة أخرى، إلى مواجهة ماضيها الحقوقي والسياسي، بعد عقود من الشهادات والسجالات التي لم تنته فصولها.

The post عرشان يوقظ ذاكرة "سنوات الرصاص".. من اقتلاع الأسنان إلى ميدالية بـ23 أورو appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس