وداع ممثل لجيل النهضة الاقتصادية
بالأمس، وفي رحاب معهد التخطيط القومي، أقيم حفل تأبين زميلنا العزيز د. سمير رضوان، وزير المالية الأسبق، الذي غاب عن عالمنا وهو ملء السمع والبصر منذ حوالى سبعين يوما فى 18 أغسطس الماضي فى جنيف بسويسرا حيث عاش وعمل معظم حياته فى منظمة العمل الدولية. ولقد عرفت الفقيد لمدة طويلة، منذ أن كنت طالبا فى السنة الثانية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وهو في السنة النهائية. ولقد تخرج العام 1963 بتفوق واختير معيدا بالكلية. ولقد لحقت به بعد سنتين فى العمل فى الكلية وتزاملنا لوقت قصير حتى سافر للدراسة فى بريطانيا، وكانت بيننا مراسلات نشطة ذكر فيها متاعبه فى الأيام الأولى في لندن ثم انتظام حياته بعد أن قابل زوجة المستقبل السيدة «ليلو» التي عاش معها ما يقرب من الستين عاما.تمتع الفقيد بالجد فى العمل والعزيمة والروح الحلوة. ولقد انعكس كل هذا فى مساهماته فى البحث الاقتصادي ودراسات الأجور ووضع سياسات العمل والأجور فى العديد من دول العالم، هذا إلى جانب صداقاته الممتدة عبر المعمورة ومصر. يكفينا هنا أن نشير إلى هذا الجمع الكبير الذي حضر حفل التأبين من وزراء ومسؤولين وأساطين مهنة الاقتصاد إلى جانب أهله وأصدقائه ومحبيه. لن اتحدث كثيرا عن مناقب الفقيد، ولا إنتاجه العلمي والفكري، ولا مساهمته فى الحياة العامة، فلقد سبقني إلى هذا الكثير من زملائه مثل الدكتور علي الدين هلال، وزير الشباب والرياضة الأسبق، فى جريدة «الأهرام»، ود. أحمد جمال الدين موسى، وزير التعليم والتعليم العالي الأسبق فى «المصري اليوم».فقط، سوف أتكلم عن ثلاث نقاط تخص الفقيد بوصفه ممثلا لجيل الستينيات، جيل الأمل والعزيمة والعصامية. كان الدكتور سمير رضوان تعبيرا عن جيل جديد من الأمل فى صناعة القرار الاقتصادي والسياسي في مصر تمثل فى إنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بقرار رئاسي عام 1959 لتبدأ الدراسة فى العام التالي، وكان من أول دفعة دخلت الكلية منقولا من السنة الثانية فى كلية التجارة. وكانت كلية الاقتصاد علامة فى البناء المؤسسي الخاص بالقرار الاقتصادي حيث تزامنت مع إنشاء معهد التخطيط القومي، وبداية عملية التخطيط الاقتصادي بإطلاق خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية 1960/1961- 1964/1965. كانت مصر من أوائل دول العالم الثالث فى اتباع منهج التخطيط الاقتصادي (خارج دول الاتحاد السوفيتي السابق، والهند). وحظيت بدعم الدول التي تؤمن بالاشتراكية الديمقراطية مثل السويد، والنرويج، وهولندا. وعليه ساهم فى إعداد إطار الخطة المصرية علماء مثل راجنر فريش، وبنت هانسن، وهانس لينيمان، ويان تنبرجن (حصل الأول والأخير على جائزة نوبل فى الاقتصاد، فيما بعد).ولقد ساهم د. سمير فى لجان إعداد الخطة واستفاد من علم العلماء الزائرين الذين نظموا محاضرات فى معهد التخطيط القومي.النقطة الثانية تخص الحراك الاجتماعي التي أتاحته ثورة يوليو وبالذات عن طريق التعليم المجاني، وتمكين أصحاب التعليم والتفوق فى الصعود الاجتماعي والمهني. د. سمير من اسرة ريفية متواضعة الحال، ولم يمنعه ذلك من دخول كلية القمة بل التمتع بمنح التفوق، وعندما تخرج متفوقا على أقرانه حصل على منصب كمعيد فى كليته، وتقدم لمنحة للدراسة فى لندن. واللافت أنه عند وصوله للدراسة لم يجد فارقا كبيرا بين دراسته فى القاهرة وتلك فى الجامعات الإنجليزية، بحيث لم يضطر إلى الانخراط فى فصول تكميلية أو الحصول على شهادات مؤهلة فى اللغة. ويرجع الفضل فى ذلك لرقي مستوى التعليم فى كليته الأم، بإلاضافة إلى جده ومثابرته.وهو ما يأخذنا إلى النقطة الثالثة، ألا وهي المناخ الأكاديمي والعلمي فى كلية الاقتصاد فى أوائل الستينيات. بدأت الكلية بداية قوية حيث قادها مجموعة من العلماء ذوي تعليم أجنبي ممتاز فى الجامعات الأوروبية والأمريكية، مثل د. محمد زكي شافعي، رفعت المحجوب، سعيد النجار، وأحمد أبو إسماعيل فى الاقتصاد، ود. بطرس بطرس غالي، وفتح الله الخطيب، وحامد ربيع فى العلوم السياسية، ود. محمد البدري، ومدني دسوقي، وعبدالمجيد فراج فى علم الإحصاء. وكان معظمهم قد عاد إلى البلاد فى العشر سنين السابقة حيث استفادوا من سياسة البعثات التي اتبعتها الدولة فى السنوات التالية للحرب العالمية الثانية حيث توفرت العملات الاجنبية، وكان هناك تفاؤل بمستقبل النهضة فى مصر بعد ان تجنبت البلاد ويلات الحرب. وبالإضافة إلى المستوى العلمي الممتاز كانت هناك روح جديدة تربط الاساتذة بالطلبة مع التوجه الاجتماعي لثورة يوليو ومبادئ المساواة والتنمية. وسهل من التفاعل بين الطلبة والأساتذة انخفاض عدد الطلبة فى الدفعات الأولي إلى ما لا يزيد على 150 فى فروع الدراسة الثلاثة. وكذا ساد جو أسرى يربط الجميع، طلبة وأساتذة، مما شجع الطلبة على الانخراط فى حلم النهضة. وهكذا، كان نجاح الدكتور سمير ومسيرته الباهرة انعكاسا، ليس فقط لعزيمته وعصاميته، ولكن أيضًا لعصر من الأمل والتفاؤل. هذا ما نتذكره عند وداع الفقيد، عزيمة التنمية والنهضة المستقلة التي نتمناها.* وكيل وزارة الاقتصاد والتعاون الدولي[email protected]
المصدر: المصري اليوم