الذاكرة السياسية وصدقية النخب في مصر
لا يمكن لبعض النخب السياسية استعادة مواقعها في المجال العام بمجرد تغيير خطابها أو إعادة تقديم نفسها في صورة الناصح والخبير؛ فالسجل السياسي لا يُمحى بتبدل الظروف، والمسؤولية عن المواقف والاختيارات السابقة لا تسقط بالتقادم.
وفي الحالة المصرية، تبرز أهمية إخضاع عودة شخصيات ارتبطت أدوارها السابقة بصراعات حادة أو بتحالفات أثارت تساؤلات حول انعكاساتها على المصالح الوطنية، لتقييم موضوعي يوازن بين حق المشاركة السياسية وضرورة المساءلة، فالقضية ليست في عودة هذه الشخصيات إلى المشهد، بل في مدى امتلاكها مراجعة حقيقية لتجاربها، وقدرتها على استعادة الثقة على أساس واضح من المسؤولية والشفافية.
ومنذ أن أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حرصه على عدم إجراء تعديلات دستورية تتيح له الاستمرار في الحكم، بما يعني أن عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاسته، بدأت تحركات سياسية مبكرة استعداداً لمرحلة ما بعد السيسي، وسارعت قوى سياسية داخل مصر، ومنصات تابعة لتنظيم "الإخوان" الإرهابي في الخارج، إلى طرح أسماء باعتبارها بدائل محتملة لحكم البلاد، بالتوازي مع تكثيف شخصيات سياسية اعتادت تبديل مواقفها وتغيير ولاءاتها من ظهورها الإعلامي، في محاولة لحجز موقع مبكر في سباق المنافسة الرئاسية. لكن القضية تتجاوز مجرد التنافس على منصب الرئاسة، وتكتسب هذه المسألة أهمية تتجاوز الحسابات الشخصية أو التنافس بين القوى السياسية، إذ ترتبط بطبيعة المجال العام، وقدرة الدولة والمجتمع على استخلاص الدروس من التحولات الكبرى، ومنع تكرار الأخطاء التي قد تهدد الاستقرار أو تضعف استقلال القرار الوطني. فالمجتمعات التي لا تحتفظ بذاكرة سياسية فاعلة تصبح أكثر عرضة لإعادة إنتاج الأزمات، بينما تمثل المساءلة الرشيدة إحدى الأدوات اللازمة لتطوير الممارسة السياسية وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
المصدر: النهار