حين يتحول الوقت إلى أزمة
الالتزام بالوقت ضرورة حتمية في كل المؤسسات لا سيما مؤسستنا، فالوقت بالنسبة لنا ركيزة نعتمد عليها في النجاح والسمعة، فالالتزام بالمواعيد نجاح يقيس كل أعمال مشاريعنا وتحركاتنا ابتداء بالحضور والانصراف والتواجد مع العميل بشكل دائم ومستمر وغيرها، مما تتطلبه مهام العمل. لكن المشكلة التي تواجه مؤسستنا هي إهمال هذا الركيزة المهمة الالتزام والتقيد بمواعيد العمل، لقد ألقى هذا الإهمال بظلاله على سير العمل في مؤسستنا ومستوى إنتاجها وسمعتها أمام الجمهور، وكثيرًا ما أوقعنا هذا الإهمال في حرج أمام العملاء والمراجعين ورفعت ضد المؤسسة كثير من الشكاوى، حتى اضطرت إدارة المؤسسة للتدخل ومحاولة درء هذا الإهمال، الذي تجنيه من موظفي المؤسسة.أخبار متعلقة «جسور الأجيال» تجمع كبار السن والأطفال في قصر الحكم بالرياضمختصون لـ"اليوم": رعاية كبار السن لا تعني سلب استقلاليتهم.. وحقهم مكفول في اتخاذ القرارشخصيًا من خلال موقعي في القسم الإداري، كنت على اطلاع بهذه الآفة التي تواجهنا في هذا الجانب، فالإهمال لا يقع من فئة بعينها في قسم أو قطاع معين بالمؤسسة، بل يكاد الجميع يشترك في هذه المعضلة، والإدارة - مع الأسف الشديد - تعاني من الضعف والإهمال التراكمي، لم تكن تتدخل لحل هذه الظاهرة المرضية، كانت تهمل أو تؤجل النظر فيها، حتى استفحلت وانتشرت بشكل مزعج، وألقت بظلالها على سير المؤسسة برمتها!بعد الدعاوى والشكاوى المتكررة أضحت المؤسسة واقعة تحت دائرة خطر البقاء مما اضطر مالكي المؤسسة للتدخل العاجل وحل إدارة المؤسسة وتعيين إدارة جديدة تتمتع بالمرونة والسمعة الجيدة، في محاولة جدية لإنقاذ المؤسسة وانتشالها من مما تعانيه، إدارة تغير مسار المؤسسة وتطورها للأفضل.كانت فرصتي عظيمة أمام الإدارة الجديدة، حيث فسح المجال أمامي لحضور اجتماع الإدارة الجديدة برفقة مدراء الإدارات ورؤساء الأقسام فأطلعتهم على حيثيات هذا الموضوع المهم، وقدمت بعض التوصيات المهمة في هذا الشأن، ووضعت أمامهم ملف الملاحظات والأسباب التي أدت إلى هذا التدهور كشاهد على إهمال الإدارة السابقة لهذا الجانب، والذي يطال موظفي المؤسسة في جميع قطاعاتها - دون استثناء - وضرورة التدخل وإجراء الضوابط الملزمة للجميع بالتقيد بمواعيد العمل في كافة شؤون المؤسسة.استحسنت الإدارة الجديدة ما طرحته، واكتشفت بعد اطلاعها على الملف أن مفتاح الحل يكمن في عامل الوقت الذي أهملته الإدارة السابقة، وفعلاً ظهرت بوادر التحسن وضبط إيقاع سير العمل بشكل جيد، بعد الاهتمام بهذا الجانب، وسارت مؤشرات الأمور إلى الأمام بشكل رائع وحققت المؤسسة سمعة جيدة أثلجت صدر مالكي المؤسسة، وبموجب هذا التحسن كوفئت الإدارة الجديدة على إسهامها في انتشال المؤسسة من دائرة الخطر والإهمال الذي كاد يودي بها ويعلق عملها إلى أجل غير مسمى.كانت الإدارة الجديدة حريصة بشكل كبير على عامل الوقت والمواعيد الزمنية في دائرة العمل داخل المؤسسة، ومن شدة حرصها جلبت أحدث الأنظمة التي تتابع سير عمل الموظفين وتواقيت حضورهم وانصرافهم، ووضعت الإدارة القوانين الصارمة حتى لا يتجاهل أو يتساهل أحد في هذا الأمر، لقد وضعت عامل الوقت والتوقيت الركيزة الأولى لسر نجاح المؤسسة أو فشلها!بعد مرور أسابيع قليلة على وضع النظام الآلي (الصارم) في متابعة الموظفين، بدأت نتائج هذا النظام تلقي بظلالها على الموظفين، وعلى أدائهم وإنتاجهم وأمزجتهم في العمل! فقد شعروا بأن هذا النظام كالسيف المسلط على رؤوسهم نظام صارم - غير مرن - لا يراعي حتى الظروف الطارئة، فبدأ الموظفون يتذمرون من صرامته، والمسؤولين يتهربون من رقابته حتى اضطروا إلى تركيب مصعد جديد خاص يصعد بهم إلى مكاتبهم بعيداً عن أعين الموظفين، حتى لا يمروا من أمامهم ويظهروا أنهم لا يلتزمون بدقة بمواعيد العمل.انقلب نظام الحضور والانصراف دخل المؤسسة إلى الضد، وعاد العمل إلى الوراء بنفس القدر الذي كنا عليه، برغم الإجراءات المتبعة، لقد كان أكثر المتسربين من هذا النظام هم القائمين عليه، فقد سبب لهم إحراجاً فادحاً أمام الموظفين، بينما الموظفون أنفسهم تراجع إنتاجهم في العمل بشكل واضح، وأصبحت العلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين غير ودية، واتسمت بعدم التعاون وقلة الإنتاجية، وأصبح هذا النظام الصارم هو الشغل الشاغل للجميع بدل الالتفات إلى الإنتاج والإبداع والابتكار!لقد اختزلت المؤسسة فكرة التطوير في إدارة الوقت، ولم تهتم بكيفية تطوير أداء الموظف، وبذلك صارت ساعات العمل تتسرب من المؤسسة دون فائدة تذكر رغم تواجد الموظفين داخل المؤسسة؟! ومرد ذلك تململ الموظفين من الرقابة الصارمة التي جعلتهم مرتبكين ومشحونين بعامل الخوف أكثر من اهتمامهم بعامل الإنتاج والعطاء، مما ولد التذمر والإهمال بينهم واتجه كثير منهم بالانشغال مع التطبيقات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لتضييع وتمرير ساعات العمل لقد أهمل عامل الوقت هذه المرة بسبب الاهتمام بالإنجاز دون التخطيط السليم المتوازن، الذي يوزع بشكل سليم ومريح مهام ساعات العمل، وما يستهلك الوقت بلا فائدة حقيقية.مع تراجع مؤشر الأداء تفاجأت بالإدارة تدعوني لحضور اجتماع طارئ؟! في الاجتماع وجدت الإدارة تستفسر مني عن سبب مؤشرات التراجع في أداء المؤسسة من وجهة نظري؟سعدت بهذا الاستفسار لمعرفة سبب تراجع مؤشر أداء المؤسسة، ووجدتها فرصة لأبدي واشرح لهم السبب دون حرج، وافق الجميع على طلبي وأذنوا لي بذلك، وعدت الإدارة بتقديم ردي خلال يومين، وبانقضاء اليومين قدمت للإدارة ردي وشرحت لهم السبب الحقيقي وراء تراجع أداء المؤسسة، وما سيعقبه من نتائج أخطر من هذا المستوى إن استمر الوضع على ما هو عليه وأكدت بأن النظام الذي وضعته الإدارة بشكله الحالي لا يخدم سير العمل، بل يشكل معضلة لجميع العاملين في المؤسسة، وأشرت إلى أن الموظفين لا يرفضون - من حيث المبدأ - هذا النظام بل يرفضون صرامته المبالغ فيها، وأن المشكلة تدور حول هذا الأمر ولا تتجاوزه.وضعت نقاط الحلول أمام الإدارة واختصرتها في نقطتين رئيسيتين هما:تطوير نظام الحضور والانصراف وجعله مرناً، وإلغاء الشكل القائم عليه حالياً.دخول جميع العاملين في المؤسسة من البوابة الرئيسية للمبنى - دون استثناء وإلغاء المصعد الذي شيده المدراء والموظفون التابعون كي لا تلاحظهم أو تراقبهم أعين الموظفين، وبالتالي يتلاشى التذمر المستمر بين الموظفين، ويتحول الرقيب الآلي إلى رقيب ذاتي يحرج أمامه الموظف أو المسؤول الذي لم يلتزم بالحضور في الوقت المحدد أمام الجميع.بعد تشاور الإدارة لعدة أيام وافقوا على الأخذ بالمقترحات، وفعلاً لم تمض عدة أسابيع، حتى عادت مؤشرات النمو في المؤسسة إلى طبيعتها وزيادة تراكمية تبشر بالنجاح، وبفضل هذه المقترحات زادت اللحمة بين جميع أفراد المؤسسة، واختفى الإهمال وزال التذمر والتسيب من الكل وعاد الوقت يمر مثمرًا والمؤسسة في أحسن حال.
المصدر: اليوم