شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

السودان بين مجاعة تتسع وحرب بلا نهاية

السودان بين مجاعة تتسع وحرب بلا نهاية

وكشفت نشرة قطاع التغذية في السودان للفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، الصادرة عن قطاع التغذية، الذي تقوده منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، أمس الاثنين، 2 نوفمبر، عن صورة شديدة القسوة لأزمة تتسع أسرع من قدرة المنظمات الإنسانية على احتوائها. فالقتال والنزوح وانهيار الخدمات الصحية وتعطل الأسواق والإنتاج الزراعي وتقييد وصول المساعدات اجتمعت لتدفع ملايين السودانيين نحو الجوع والمرض والموت الصامت. وبحسب النشرة، تجاوز سوء التغذية الحاد عتبة الطوارئ الدولية البالغة 15 في المئة في 18 مسحاً من أصل 37 أُجريت في مناطق مختلفة من البلاد، أي في نحو نصف المواقع التي شملها التقييم. وفي سبعة مسوح، تجاوز المعدل 20 في المئة، وهو مستوى يكشف أزمة بالغة الخطورة تتجاوز المعدلات الحرجة عالمياً. تظهر الأرقام أن دارفور هي مركز الكارثة؛ إذ تجاوزت 13 من أصل 17 مسحاً أُجريت في الإقليم عتبة الطوارئ. وتعكس هذه النسب أثر سنوات من القتال والحصار والنزوح وانهيار الأسواق والمرافق الصحية ومصادر المياه. وفي بقية السودان، تجاوزت المسوح العتبة في أم درمان بولاية الخرطوم، وتلكوك في كسلا، والرهد في القضارف، وجبرة الشيخ في شمال كردفان. وهذا الانتشار يعني أن الأزمة لم تعد محصورة في جيوب معزولة، بل تمتد عبر نطاق جغرافي واسع، من غرب البلاد إلى شرقها ووسطها. وتقدر النشرة أن نحو 8.4 مليون شخص يحتاجون إلى خدمات ومساعدات تغذوية خلال 2026، بينهم نحو 5 ملايين طفل دون الخامسة و3.4 مليون امرأة حامل أو مرضعة. ومن بين هؤلاء، يحتاج نحو 4.19 مليون شخص إلى العلاج من سوء التغذية الحاد، بينهم 824 ألفاً و827 طفلاً يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو الشكل الأشد فتكاً، وقرابة 2.76 مليون طفل يعانون سوء التغذية الحاد المتوسط، إضافة إلى نحو 600 ألف امرأة حامل أو مرضعة. ولا تعني هذه الأرقام أطفالاً يشعرون بالجوع فحسب؛ فسوء التغذية الحاد الوخيم يضعف المناعة، ويجعل أمراضاً قابلة للعلاج، مثل الإسهال والملاريا والتهابات الجهاز التنفسي، قادرة على قتل الطفل خلال فترة قصيرة إذا لم يحصل على الغذاء العلاجي والرعاية الطبية. وبحسب نشرة التغذية، تمكنت المراكز المدعومة من الشركاء الإنسانيين من إدخال أكثر من 383 ألف طفل إلى برامج علاج سوء التغذية الحاد الوخيم غير المصحوب بمضاعفات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بما يعادل نحو 81 في المئة من الهدف المقرر. لكن الصورة تصبح أكثر قتامة عند النظر إلى الحالات التي تحتاج إلى رعاية داخل المستشفيات ومراكز الاستقرار. فقد سجلت هذه المراكز نحو 26 ألف حالة فقط، أي 37 في المئة من الهدف السنوي. والأخطر أن 61 محلية لم تسجل أي حالة دخول إلى مراكز العلاج الداخلي. ولا يعني الصفر هنا غياب الأطفال المرضى، بل قد يعني غياب المنشآت والأطباء والعلاج ووسائل النقل الآمن بسبب الحرب، أو استحالة وصول الأسر إلى المراكز وسط القتال وانقطاع الطرق. وتعمل أكثر من 53 منظمة عبر نحو 2500 مركز علاجي خارجي، إلى جانب ما بين 113 و130 مركزاً للعلاج الداخلي. ومع ذلك، تظل الاستجابة أقل كثيراً من حجم المأساة، خصوصاً في المناطق المحاصرة أو التي تشهد عمليات عسكرية متواصلة. ولم تصل برامج التغذية الوقائية الشاملة إلا إلى نحو 2.6 في المئة من الأطفال المستهدفين، ونحو ثلاثة في المئة من النساء الحوامل والمرضعات. وهذا القصور يعني أن الاستجابة تلاحق الأطفال بعدما يبلغون مرحلة الخطر، بدلاً من منع تدهور حالتهم منذ البداية. لا يمكن فصل هذه المؤشرات عن الحرب. فالجوع في السودان لا ينتج من نقص الطعام وحده، بل من عجز الأسر عن الوصول إليه: المزارعون هُجّروا من أراضيهم، والأسواق تعرضت للقصف أو تعطلت، والطرق أصبحت غير آمنة، ومرافق الخدمات العامة دُمّرت، وتجاوزت الأسعار قدرة الأسر، فيما أُخرجت مستشفيات ومراكز صحية من الخدمة. وتستحوذ الخرطوم وشمال دارفور وجنوب دارفور والجزيرة وحدها على نحو 42 في المئة من العبء الإجمالي لسوء التغذية، بينما تمثل ولايات دارفور الخمس نحو 30 في المئة، وولايات كردفان الثلاث قرابة 15 في المئة. وتحذر النشرة من أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور، مع تزايد حالات الدخول إلى مراكز العلاج، وضعف موسم الحصاد، والجفاف المرتبط بظاهرة "النينيو"، واستنزاف مخزونات الغذاء. وقد يبدأ موسم الجوع المقبل مبكراً، قبل أن تتمكن الأسر من استعادة أي قدر من قدرتها على الصمود. وتأتي هذه المؤشرات في بلد تصفه الأمم المتحدة بأنه يشهد أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج قرابة 34 مليون شخص إلى المساعدة، فيما تتآكل قدرة المنظمات الإنسانية بفعل نقص التمويل وانعدام الأمن وصعوبة الوصول. ورغم هذا المشهد، لا تزال قيادة الجيش تراهن على الحسم العسكري. فقد أعلن رئيس هيئة الأركان، ياسر العطا، أول من أمس الأحد، أن القوات المسلحة "ماضية في حربها"، وأنها تتجه إلى مواصلة عملياتها في دارفور وكردفان حتى النهاية. وتكشف نشرة التغذية أن السودان لا يملك ترف انتظار نهاية عسكرية مجهولة. فكل شهر إضافي من الحرب يعني أطفالاً جدداً يدخلون دائرة الخطر، وأسراً تفقد مصادر غذائها، ومناطق تصبح بعيدة عن المساعدات. ويقول خبراء إنسانيون إن العلاج الحقيقي لا يبدأ بكيس غذاء علاجي بعد انهيار جسد الطفل، بل بوقف الحرب، المسبّب الرئيسي لصناعة الجوع.وفي بلد يواجه أكبر مأساة إنسانية في العالم، يصبح الإصرار على الحسم العسكري اختياراً لاستمرار الكارثة؛ فلا يمكن إنقاذ أطفال السودان ما دامت القذائف تسبق الغذاء، والحرب تتقدم أسرع من الإغاثة.

المصدر: سكاي نيوز عربية