الانتخابات الإسرائيلية بين نتنياهو وآيزنكوت: هل تتحول المنافسة السياسية إلى عامل مؤثر في الاقتصاد العالمي؟
تكتسب المنافسة بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت أهمية خاصة، لأنها تطرح تساؤلات حول مستقبل السياسة الاقتصادية الإسرائيلية، واتجاه الإنفاق العسكري، وطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة والصين، ومستقبل الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن انعكاسات أي تصعيد إقليمي على أسواق النفط والطاقة والتجارة العالمية.
وقد أظهرت انتخابات 27 تشرين الأول (أكتوبر) مشهداً سياسياً غير حاسم، إذ حصل حزب الليكود بقيادة نتنياهو على 27 مقعداً، في مقابل 21 مقعداً لحزب "ياشار" بقيادة آيزنكوت، فيما لم يتمكن أي من المعسكرين من تأمين أغلبية برلمانية مستقلة.
وعلى مستوى التحالفات البرلمانية، حصل المعسكر المؤيد لنتنياهو على 53 مقعداً، في مقابل 48 مقعداً للمعسكر المعارض له، فيما حصدت الأحزاب العربية مجتمعة 19 مقعداً، من أصل 120 مقعداً في الكنيست. وهذا يعني أن مرحلة تشكيل الحكومة والتحالفات السياسية قد تكون بحد ذاتها عاملاً مؤثراً في حسابات المستثمرين والأسواق.
أولاً: الاقتصاد الإسرائيلي أمام اختبار الاستقرار السياسي
تأتي الانتخابات في مرحلة حساسة للاقتصاد الإسرائيلي، الذي يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع النفقات العسكرية، وتكاليف الحروب، والضغوط على المالية العامة، ونقص العمالة في بعض القطاعات، فضلاً عن تراجع ثقة بعض المستثمرين نتيجة عدم اليقين السياسي والأمني.
ووفق توقعات دائرة الأبحاث في بنك إسرائيل الصادرة في 21 تشرين الأول، يُتوقَّع أن يبلغ عجز الميزانية الحكومية نحو 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، وأن يرتفع إلى 4.6% في عام 2027. كما يُرجح أن تصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 68% بنهاية عام 2026، قبل أن تتراجع إلى 66.5% في عام 2027، وفق التقديرات التي تحتسب الإنتاج الذي تحققه الشركات الإسرائيلية في الخارج.
وتشير هذه التوقعات إلى استمرار الضغوط على المالية العامة الإسرائيلية، ولاسيما في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالإنفاق الدفاعي والإيرادات الحكومية، وهي عوامل ستشكل تحدياً أساسياً أمام الحكومة المقبلة.
ثانياً: نتنياهو وآيزنكوت... اختلاف الأولويات الاقتصادية
تتمحور المقارنة الاقتصادية بين الطرفين حول أولويات الإنفاق، وإدارة المخاطر الأمنية، والعلاقة بين المؤسسات السياسية والاقتصادية.
السيناريو الأول: استمرار نتنياهو في الحكم: قد يعني قدراً من الاستمرارية في السياسات الاقتصادية والأمنية القائمة، لكنه سيبقي الأسواق أمام تساؤلات تتعلق بمستقبل الإنفاق العسكري، والعجز المالي، والعلاقات الاقتصادية مع بعض الشركاء الدوليين.
أما استمرار الخلافات حول الإصلاحات القضائية والمؤسساتية فقد يؤثر في ثقة المستثمرين، خصوصاً أن استقرار المؤسسات وسيادة القانون من العوامل المهمة في تقييم المخاطر السيادية.
السيناريو الثاني : وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة: تَطرح رؤيته الاقتصادية، من خلال حزب "ياشار"، أولويات تتعلق بخفض تكاليف المعيشة، وزيادة المنافسة، وتخفيف الحواجز أمام الاستيراد، ودعم الأسر العاملة والشباب، وتحسين فرص العمل والخدمات الاجتماعية. لكن تنفيذ هذه السياسات سيظل مرتبطاً بقدرة آيزنكوت على تشكيل ائتلاف مستقر، والتوصل إلى توافقات في شأن الميزانية والإنفاق الدفاعي.
ثالثاً: النفط والطاقة... الأثر الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي
تُعَد أسواق الطاقة من أكثر القطاعات تأثراً بالتطورات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. وتزداد أهمية ذلك بسبب موقع المنطقة الجغرافي، وقربها من طرق شحن الطاقة والتجارة الدولية، ولاسيما مضيق هرمز وقناة السويس والبحر الأحمر. وتبرز هنا ثلاثة احتمالات اقتصادية:
السيناريو الأول: التهدئة السياسية والأمنية. قد يؤدي انخفاض المخاطر إلى تخفيف الضغوط على أسعار الطاقة، وتحسين توقعات الاستثمار في مشاريع الغاز والبنية التحتية.
السيناريو الثاني: استمرار التوتر. قد تبقى أسعار النفط والغاز عرضة للتقلب، مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والنقل.
السيناريو الثالث: التصعيد الإقليمي. قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في علاوات المخاطر، وزيادة تكاليف الطاقة والإنتاج والنقل، بما ينعكس على معدلات التضخم عالمياً.
من المهم التمييز هنا بين الأثر المباشر للانتخابات الإسرائيلية والأثر غير المباشر؛ لا تحدد الانتخابات أسعار النفط بذاتها، وإنما تؤثر فيها من خلال القرارات السياسية والأمنية التي قد تلي تشكيل الحكومة.
رابعاً: الولايات المتحدة والصين... صراع المصالح الاقتصادية
لا يمكن قراءة انعكاسات الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن التنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين واشنطن وبكين. فالولايات المتحدة تمثل شريكاً أساسياً لإسرائيل في المجالات العسكرية والتكنولوجية والمالية، وأي تغيير في طبيعة العلاقة السياسية بين الجانبين قد تكون له انعكاسات على التعاون الدفاعي، والاستثمارات، ونقل التكنولوجيا.
أما الصين، فقد شهدت علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل توترات مرتبطة بالتطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، ما يثير تساؤلات حول مستقبل التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.
وتشير التحليلات إلى أن العلاقة مع الصين أصبحت أحد الملفات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة، خصوصاً في ظل التنافس الأميركي الصيني على التكنولوجيا والبنية التحتية والنفوذ الاقتصادي.
ومن هنا، قد تؤثر توجهات الحكومة المقبلة في طبيعة الانفتاح الاقتصادي الإسرائيلي على الأسواق الآسيوية، وفي حجم التعاون مع الشركات الصينية، وفي مستقبل الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا والاتصالات والبنية التحتية.
خامساً: أسواق المال والاستثمارات الأجنبية
في الحالة الإسرائيلية، قد يؤدي استمرار عدم اليقين السياسي إلى زيادة حذر المستثمرين تجاه الأسهم والسندات والعملة المحلية، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع ارتفاع الإنفاق العسكري وتزايد احتياجات الاقتراض الحكومي.
وهناك أربعة مؤشرات تستحق المتابعة:
سعر صرف الشيكل: أي تراجع في الثقة بالاستقرار السياسي والاقتصادي قد يزيد الضغوط على العملة الإسرائيلية.
السندات الحكومية: ارتفاع المخاطر المالية قد يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى في مقابل تمويل الحكومة.
قطاع التكنولوجيا: قد تتأثر الاستثمارات في الشركات الناشئة والتكنولوجيا المتقدمة إذا تراجعت ثقة المستثمرين الدوليين.
التصنيف الائتماني: استمرار الضغوط المالية والمؤسساتية قد ينعكس على تقييم المخاطر السيادية وتكاليف التمويل.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الآثار ليست نتائج حتمية للانتخابات، بل احتمالات ترتبط بطبيعة الحكومة التي ستتشكل.
سادساً: لبنان والشرق الأوسط... الأثر الاقتصادي غير المباشر
بالنسبة إلى لبنان ودول المنطقة، لا تقتصر أهمية الانتخابات الإسرائيلية على انعكاساتها السياسية، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً في قطاعات السياحة والتجارة والنقل والطاقة والاستثمار، فلبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية عميقة، يبقى شديد التأثر بأي تصعيد أمني على الحدود الجنوبية أو في شرق المتوسط.
ويمكن تحديد أبرز المخاطر الاقتصادية في النقاط التالية:
السياحة: استمرار التوترات قد يضعف حركة السياحة والسفر والاستثمارات الفندقية في لبنان والمنطقة.
النقل البحري: ارتفاع المخاطر الأمنية قد يزيد تكاليف التأمين والشحن ويؤثر في حركة الموانئ.
الاستثمارات: المستثمرون يميلون إلى تأجيل المشاريع طويلة الأجل عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية.
الطاقة: أي اضطراب في مشاريع الغاز والبنية التحتية البحرية في شرق المتوسط قد يؤخر فرص التعاون والاستثمار الإقليمي.
التضخم: ارتفاع أسعار النفط والشحن قد يزيد تكلفة استيراد السلع والمواد الأساسية، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
الخلاصة: الانتخابات الإسرائيلية اختبار للاقتصاد الإقليمي والعالمي
ليست المنافسة بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت مجرد صراع على رئاسة الحكومة، بل تعكس اختلافاً في الأولويات السياسية والاقتصادية، في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات مالية وأمنية ومؤسساتية متشابكة.
لكن الاقتصاد العالمي لا يتأثر باسم رئيس الحكومة بقدر ما يتأثر بالسياسات التي تتبناها الحكومة، وبمدى قدرتها على تحقيق الاستقرار، وإدارة الإنفاق العام، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية الدولية.
المصدر: النهار