شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الغنى... هو الآخَر

الغنى... هو الآخَر

الاب ايلي قنبر

1- وَيَتَنَعَّمُ كُلَّ يَومٍ تَنَعُّماً فاخِراً
الغني، الشخصيّة المحوريّة في النصّ الانجيليّ لم يلحظ يوماً لعازر لعمى بصيرته. فقامت بينهما هوّة عظيمة "هنا والآن" وما بعد الموت حتّى. نعم، تعمينا الثروات عن بؤس الآخَرين تماماً كما تعمينا عن رؤية هشاشتنا ولا تحمينا من الموت. ولا يقف جشع نفَر من الناس عند الاستفادة غير المحدودة من قدرات الآخرين بل يعتقدون أنّهم مخلَّدون.
يعيش هؤلاء معتبرين أنّ المال والممتلكات هي ملك شخصي وهدف أسمى، فيستهلكون لرفاههِم، ويعزلون هكذا أنفسهم عن الله وعن لعازر-الأخ. فتَتحوّل "الخيرات" إلى فخٍ لتمَحورها حول الذات. من هنا نجد أنّ النجاح ووفرة المال والتعلّق بالمظاهر تُقفل القلب عن الرحمة نتيجة خطيئة الإغفال أو "خطيئة عدم الفعل". وبالتالي هي لا علاقة لها بالحُبّ الباذل. لنُصغٍ! "إن عدم مشاركة الفقراء في ثرواتنا هو سرقة لهم، وحرمان من الحياة. فالممتلكات التي بحوزتنا ليست ملكنا بل هي ملكهم" ونحن وكلاء عليها.
بالمقابل، دُعيت آلام لعازر "بلاياه"، ولم تُنسب إلى الله كعقاب، بل كانت ظروفاً خارجية تحملها بصبر وشكر من دون تذمّر، ممّا جعلها وسيلة لتَنقيته وتزكيته نظراً لُإُيمانه وصبره. من هنا يرى الذهبيّ الفم أنّ الغني هو "الفقير والمُعدم الحقيقي" لخُلُو نفسه من الرحمة، ولعازر هو الغنيّ بفضائله إذ لم ينطق بكلمة تذمّر واحدة ضد الله، ولم يجدِّف، ولم يقل: لماذا أنا هكذا وهذا الخاطئ في رغد؟ فكان بالنسبة الى الذهبيّ الفَم "الشهيد الصامت" أو نموذج "الشهادة من دون سَفك دماء".
2- فبَيننا وبَينكم هُوّة عظيمةٌ قد أُثبتَت
ما قدّمته كنائس الغرب "البولُسيّة" الى الكنيسة الأم في فلسطين في القرن الأوّل كان عملا "ليتُورجيّا"4 أي عبادة لله. قال الذهبيّ الفم لأغنياء انطاكيا مُتهكما: "تُزينون الجدران بالرخام والذهب، وتتركون هيكل الله الحي (الإنسان الفقير) يرتجف من البرد عند عتبات أبوابكم"!
بحسب الذهبيّ الفم "الهُوّة العظيمة" في إنجيل الغنيّ ولعازر هي تعبير عن الحالة الأبدية الثابتة التي تصنعها خيارات الإنسان في حياته الأرضية. وهي ترمز إلى استحالة التوبة
أو تغيير المصير بعد الموت. لأنّ الأبدية هي زمن الحصاد، حيث لا رجاء في المساومة. ويُعتبر تثبيت الهوّة بمثابة تحذير شديد للأحياء لكي لا يؤجِّلوا توبتهم أو يعتمدوا على أوهام النجاة من دون توبة حقيقيّة وعمل رحمة ملموس.
أمّا حديث الغني عن إنقاذ إخوته فلا ينبع من المحبة، بل تأنيب ضميره خوفا من مضاعفة عذابه بسبب اقتدائهم به. أما كلمة الله المكتوبة فهي ثابتة وحيّة وتخاطب العقل والضمير مباشرة أكثر من شهادة أحد الأموات أمامهم.
حلل فم الذهب العبارة الختامية لِإبراهيم ببراعة وبشيء من الُّتهكّم: "إِنَّ عِندَهُم موسى وَٱلأَنبِياءَ، فَليَسمَعوا مِنهُم". مستشهداً بالواقع التاريخي لليهود الذين"تشاوروا ليقتلوا لعازر أيضاً" (يوحنا 12: 10)، و"لم يؤمن القساة والعنيدون، بل رشَوا العسكر ليقولوا إن جسده سُرِق".
3- لِمَ الحديث عن "حضن ابراهيم"؟
تُواجهنا غالباً صورة إله مخيف ورهيب زُرعت في ذاكرتنا الجَماعيّة، وتحديداً من خلال نصوص دينيّة مؤسِّسة، تعليميّة وطقسيّة. تكمن وظيفة تلك الصورة في تطويعنا وإخضاعنا لأيّ سلطة في المجتمع. في حين يُطالعنا يسوع بصورة تُناقضها تماماً تُظهِّر صورة إلَه ينظر إلينا بحبّ ورافة وحنُوّ، ويُريدنا كائنات حرّة "هُنا والآن" وفي "العهد الآتي". من هنا حديث الإنجيل عن "حضن ابراهيم" الذي يعبّر عن القُرب الشديد والحنان والتبنّي لذاك الذي كان معزولاً ومرفوضاً طوال حياته. والحضن يعني أيضاً "مقرّ الأبرار الراقدين على رجاء الخلاص في العهد القديم"... لكن ما يهمّنا هو فضيلة استضافة الغرباء التي اشتهر بها ابراهيم وقابل بها لَعازر "الغريب" بين أقرانه. ومنها انطلق يوحنّا الذهبيّ الفَم ليُواجه أثرياء أنطاكيا والقسطنطينيّة بطريقة مباشرة وصادمة لضمائرهم، مُسمِّياً الأمور بمُسمَّياتها: "أنت لست مالكاً بل وكيل"، مُنتقداً وضعهم للذهَب حتى على لجام خُيولهم، وأحذيتهم، وأسرّتهم، بينما لعازر ينام عارياً وجائعاً. وفي مواجَهة حجّة هؤلاء بأنّ الفقراء كسالى، أو محتالون، أو لا يستحقّون المساعدة، دعا الذهبيّ الفَم الأغنياء إلى العطاء من دون شروط أو إدانة للمحتاج. واصفاً الغني الأناني بالشخص الأكثر إثارة للشفقة والتعاسة في الكون، لأنّه يُسمِّن نفسه ليوم الذبح الروحي. كانت مواجهات الذهبي الفم ثوريّة في تاريخ الفكر الاجتماعي والروحي، ونِعم هذا الفكر.
كان هذا قبل 16 قرنا. ماذا عنّا، هل من ذهبيّ فَم ينطق؟
هناك "لَعازر" بالجملة يجوعون ويتالّمون ويُجرَحون ويُنبَذون في الكنائس ولا مَن يسأل عنهم من السادة الرؤساء، سِوى واحد نال نصيبه من النبذ آنذاك. "أمّا الكلام عن قداسة الكنيسة وبهائها وطهارتها، فلا يجوز أن يتحوّل إلى عناوين برّاقة تحجب الواقع الأليم أو تحصّن الأشخاص والمؤسّسات من النقد والمساءلة والمحاسبة؛ فهذه المعاني، في بعدها الإيمانيّ، لا تعني عصمة السلوك والإدارة، ولا تغني عن تضييق الفجوة بين ما تعلنه الكنيسة وما تعيشه".
نحن "صنعه، مخلوقون للأعمال ٱلصالِحة... لنسلك فيها". هلَّا قبلنا؟

المصدر: النهار