شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

فى الرواية الإسرائيلية: «رقصة كيبور» الأخيرة.. النصر بديل الغفران

فى الرواية الإسرائيلية: «رقصة كيبور» الأخيرة.. النصر بديل الغفران

لا تزال انتصارات 6 أكتوبر 73، تطل علينا من خلال لقطات تاريخية وفنية وعسكرية، وابداعات إنسانية بدعم من الذكاء الاصطناعى فى تأكيد على أهمية استخداماته. أكتب هنا عن فيلم «رقصة كيبور» من تأليف وانتاج وإخراج كريم عبدالوهاب، والذى عرض على العديد من المنصات سنة 2026. ذلك الاسم الذى حمل دلالة رمزية لكونه يمثل عيد الغفران الذى يعد من أهم الأعياد الدينية عند اليهود، وهو الموافق ليوم 6 أكتوبر 1973 الذى حققت فيه مصر نصرها العظيم من خلال المفاجأة العسكرية التى لم تكن إسرائيل مستعدة لها. أرى أن اسم الفيلم «رقصة كيبور» يشير إلى نهاية الصورة الذهنية التى صدرتها إسرائيل للعالم كله من الاطمئنان والتفوق والثقة. وهنا أتوقف عن دلالة اسم الفيلم الذى يحمل اسم عيد يهودى لانتصار عسكرى مصرى كنوع من مخاطبة الذاكرة الإسرائيلية بربط أحد أهم أعيادها الدينية بهزيمتها الاستراتيجية وانهيار فرضياتها الحربية والعسكرية.يمثل فيلم «رقصة كيبور» إعادة استدعاء لحظة تاريخية شديدة التعقيد فى معالجة جمعت القرار السياسى والتخطيط العسكرى والخداع الاستراتيجى والاستخباراتى وإدارة الصراع واختيار التوقيت فى قرار واحد. وهى معالجة تتجاوز المشهد السينمائى التقليدى إلى مساحات جديدة للدراما التاريخية والسياسية. معالجة تضع المشاهد أمام عقيدة عسكرية مصرية، تتلخص فى أن الانتصار لا يبدأ بإطلاق النار، وإنما يبدأ ببناء القدرات على صناعة القرار السليم، واتخاذه فى التوقيت الصحيح، وبالوسائل والأدوات المتاحة. وهكذا يطرح الفيلم صراع المعلومات والتقديرات والوعى بالقدرات والإرادة السياسية باعتبارهم التحدى الرئيسى فى طبيعة هذا الصراع الذى تم تناوله بشكل توثيقى ومعلوماتى لأطراف الصراع من الشخصيات المصرية والإسرائيلية داخل دوائر صناعة القرارات العسكرية بوقائع حقيقية غير متخيلة، وشخصية أشرف مروان نموذجاً عملياً على ذلك. وهو ما أظهر بشكل طبيعى الفجوة بين التصورات الإسرائيلية قبل الحرب والواقع العسكرى الجديد الذى فرضته القوات المسلحة المصرية بعد ذلك.يأتى هذا الفيلم بعد مرور أكثر من 50 سنة على انتصارات 6 أكتوبر بشكل ينقل المشاهد من الاستهلاك التقليدى للمشاهد البصرية فى تحقيق رواية النصر إلى فهم آليات صناعة هذا النصر. وهو انتقال ضرورى لفهم تاريخ الحرب ليس بمجرد نتيجة النصر، وإنما بفهم أسبابها وآلياتها ودروسها الاستراتيجية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعى بأدواته المرنة فى تصوير أجواء الحرب باحترافية شديدة بدون ميزانيات ضخمة وتكلفة إنتاجية كبيرة لو تم تنفيذها بالشكل التقليدى القديم لذلك الحدث التاريخى الهام. وهو ما تجسد فى دقة إعادة بناء وجوه وملامح الشخصيات التاريخية، ومطابقة الأسلحة والملابس والمعدات والخرائط للفترة الزمنية للحرب، ومصداقية المشاهد البصرية الرقمية بعدم الخلط بين التوثيق وإعادة التخيل. أرى أن هذا الفيلم يطرح سؤالاً أهم حول توظيف التكنولوجيا الرقمية فى حماية الذاكرة الوطنية من التشويه والتأويل فى مواجهة الروايات المضادة دون الوقوع فى إعادة إنتاج التاريخ بصورة موجهة أو دعائية أو انتقائية؟! وقد تميز الفيلم بوجود معايير، احتكم إليها سواء من خلال الفصل المنطقى بين المادة الأرشيفية والمشاهد المنتجة بالذكاء الاصطناعى. وبإخضاع الوقائع الحربية لمراجعة المجموعة 73 مؤرخين، وعدم الاكتفاء بالمعالجات الدرامية. وتجنب اختزال الاحداث التاريخية المتشابكة فى شخصيات أو مواقف فردية. وعدم تقديم الروايات المختلف عليها باعتبارها حقيقة مثبتة. وتحقيق التوازن بين الإبهار البصرى والانضباط التاريخى.من الآخر..«رقصة كيبور» ينقل انتصارات حرب 6 أكتوبر من مساحة استعادة الذكرى التاريخية إلى مساحة تحليل التجربة، ومن الاحتفاء بالنصر إلى فهم معادلة صناعته.

المصدر: المصري اليوم