شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

المشهد الإبداعي الأدبي.. دموع وعورات

المشهد الإبداعي الأدبي.. دموع وعورات

فتحت دموع الكاتب الجزائري حامد ياسين، وهو يجلس بمفرده أمام طاولة مغطاة بنسخ روايته الجديدة «سفيرة من الريف» في قاعة خاوية بمدينة بئر العاتر، كوة واسعة على مشهد ثقافي عربي بائس، وفقير.لم تكن دموع الكاتب الذي جلس ينتظر الحضور ليشاركوه إطلاق روايته الجديدة، إلا تعبيرًا عن خيبة أمل لكاتب ضاع عمره في الكتابة، ولم يجد لوقْع هذه السنوات الطويلة أي صدى، إنها بالتأكيد إدانة بالغة لعصر التسويق لـ «أدب بلا جمهور»، إدانة موثقة بالصوت والصورة لواقع ثقافي – فيما يبدو- تردَّى إلى أقصى حد، وصار فيه المبدع معزولًا وغريبًا في قومه «كصالحٍ في ثمود». «لا جمهور محتمل»هذه الواقعة تفتح بابًا لقراءة نقدية متعددة لأزمة الإبداع الأدبي ووسائل تسويقه؛ فمن ناحية نجد أنفسنا أمام معضلة التنظيم والترويج المحلي، فالكتابة اليوم لم تعد حبرًا يُراق على ورق، وإنما أصبحت صناعة تحتاج إلى مهارات تسويقية وشبكات علاقات عامة، لا يتقنها بالضرورة كل صاحب قلم لجذب «جمهور محتمل» قد يكون مشغولًا بأكل العيش أو ببريق محتوى فيديوهات أكثر قبولًا للاستهلاك والربح. إن غياب الجمهور عن قاعات توقيع المنتج الأدبي قد يعكس خللًا فادحًا في آليات التنسيق والدعاية التي -من المفترض- تضطلع بها دور النشر أو المؤسسات الثقافية المشرفة، التي تترك الكاتب أحيانًا يواجه مصيره منفردًا كـ «هامش مطرود من الصفحة».على الجانب الآخر، تبرز المفارقة الكبرى التي تفرضها شبكات التواصل الاجتماعي، و«ترينداتها»، فقد غطى الطوفان الكبير من التعاطف الرقمي المنصات العربية عقب انتشار فيديو للروائي الوحيد، ليعري ازدواجية مريرة، فالآلاف يتضامنون رقميًّا وافتراضيًّا، لا على أرض الواقع؛ فالتعاطف هنا لا يكلفهم شيئًا، والبكاء لا يستنزف دمعًا من مآقيهم، فهذا الصخب الرقمي لن يتحول إلى فعل تضامن حقيقي يتمثل في اقتناء الكتاب وقراءته والتفاعل مع مجهود كتابته.لقد تحول فقط الكاتب حامد ياسين ومأساته إلى «مادة استهلاك سريع» ومزايدات وإدانة للمشهد، وكأن الجميع غير مدان، وبالتالي حدث ويحدث تقديس لهذا النوع من التعاطف «الكاذب» على حساب فعل المضمون.أنا هنا بالتأكيد لا أكرس لجودة الأدب بجماهيرية حضور حفلات التوقيع، لكنها بالتأكيد علامة من بين علامة قياس التفاعل مع الأدب عمومًا، فـالإنفاق على اقتناء الكتب تراجع إلى حدود ضيقة، وهو أمر يستدعي مقاربات أوسع وأشمل، والباب مفتوح لرحابة القول وتعدد الزوايا لما يمكن قوله في تفكيك هذا الشأن، وحتى الذين يقرؤون إلكترونيًّا ينعدم تفاعلهم مع المنتج المطبوع، خصوصًا المنتج الأدبي الذي يعاني اغترابًا كبيرًا في ظل «زمن استهلاكي ومادي» لا يراعي منتج الروح بشكل عام؛ إن الأمر يتطلب من المؤسسات الثقافية دورًا حقيقيًّا في رعاية «المؤلف» وتأمين وصوله إلى المتلقي دون تركه فريسة لوحشة «الطاولات الفارغة».X: @MohamedlMostafa

المصدر: المصري اليوم