لاف دياز لـالنهار: دعوني أصوّر أفلامي بالبساطة التي أحبّ
في "من فضلك، اسمح لي بالمرور"، يعود المخرج الفيليبيني لاف دياز إلى القرن السابع عشر، زمن الاستعمار الإسباني للفيليبين، متّخذاً من رحلة شاقة عبر الغابات مدخلاً لمساءلة العنف والاستعباد باسم الدين والهيمنة الحضارية. تتحوّل الغابة قبالة كاميرا مخرج "المرأة التي رحلت" إلى ذاكرة تختزن التاريخ والعنف المرتبط به، فضلاً عن كونها خلفية جمالية. بأبيض وأسود وكادرات ثابتة، يكشف دياز كيف شُيِّدت الفيليبين الحديثة على أنقاض بلاد الأجداد وأجساد السّكان الأصليين، تاركاً للطبيعة أن تروي فصولاً من ماضٍ لم ينتهِ. إثر عرضه الأول في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية، كان لـ"النهار"، هذه المقابلة مع سينمائي لا يتعب من التصوير، مواصلاً نبش ماض بلاده وحاضرها.

* الاستعمار (وما يتصل به من قضايا) ليس جديداً على سينماك. ما الشيء المختلف الذي تقدّمه هذه المرة؟
- لم يتناول أحد من قبل معاناة أهل الفيليبين الذين بنوا المنشآت في زمن الاستعمار: الكنائس والجسور والطرق والأرصفة والمرافئ والمزارع. تعود الفترة التي تدور فيها أحداث الفيلم إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر، إلى زمن أجدادنا. من عام 1571 وعلى امتداد قرن، دخلت إسبانيا الإمبراطورية بلادنا، في ما يُعرف بمرحلة البناء والتنصير. ما فرضته علينا، والتغييرات التي أدخلتها، وصولاً إلى إخضاع الناس، هذا كله أحدث تصدّعاً عميقاً في ثقافتنا. هذا ما أحاول تناوله. إنها، مرة أخرى، محاولة لفتح حوار، وللتنبيه إلى أننا لا ينبغي أن ننظر إلى تلك المنشآت كما لو أنها نتيجة معجزة كونية. لقد شُيِّدت في الألم والمعاناة والقتل. كانت ثمرة النهب والكوارث التي أُلحِقت بثقافتنا. فقد غُيِّرت أسماؤنا، وأستُوليَ على أراضينا. فجأةً، وجد صاحب الأرض يعمل في الأرض نفسها التي امتلكها أجداده. هذا هو الوعي الذي وددتُ أن أخلقه من خلال الفيلم. لا أقدّمه كدرس تعليمي. رسالته واضحة جداً: علينا أن نعود إلى ذلك العصر، لكي نفهم من أين يأتي النظام الإقطاعي في البلاد، وهو نظام لا يزال قائماً حتى اليوم. تعود جذوره إلى هناك.
* الدين من المواضيع الأساسية في الفيلم. نرى كيف يُستخدَم أداةً للسلطة، لا تعبيراً عن الإيمان.
- روّج الاستعمار لفكرة الخلاص باعتباره طريقاً إلى ذلك العالم الأثيري الذي يسمّونه الجنّة، لكن الثمن كان المعاناة والفقر. حدث ذلك قبل خمسمئة عام، واليوم لا نعرف عنه شيئاً. نُسي تماماً.
* لكن، لماذا تحتاج إلى تذكير الناس بما نسوه تماماً؟
- لأن علينا أن ندرسه ونواجهه، حتى نفهم ما يحدث اليوم.
* أتعتقد أن الحاضر والماضي مترابطان إلى هذا الحدّ؟
- بالطبع. ما يحدث لثقافتنا اليوم مرتبط دائماً بالماضي. من المهم أن يفهم الناس أن هذا لم يظهر من العدم. ثقافتنا المختلّة تشكّلت انطلاقاً من الحقبة الاستعمارية.
* للطبيعة أهمية كبيرة في الفيلم. فهي مجسَّدة، لكنها موجودة أيضاً داخل الشخصيات…
- أقول دائماً إن الطبيعة، في سينماي، ممثّل أساسي. ما يعنيني هو تقديم كون متكامل، يكون فيه الجميع جزءاً من اللوحة. النهر مهم، والنملة مهمة، والريح كذلك. الناس الذين يعيشون في هذا العالم مهمون، وكذلك الحيوانات. لهذا تشكّل الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من سينماي.
* أثناء مشاهدة الفيلم، وجدتُ نفسي أتساءل كم من الوقت اضطر فريق التصوير إلى العيش في الغابة.
- أمضينا فيها ثلاثة أشهر. كنا نتنقّل ذهاباً وإياباً. بدأنا التصوير في كانون الأول، ثم استأنفناه في شباط وآذار، وأنهيناه في أواخر نيسان. كنّا نقيم في مكان قريب، لذا كان الذهاب إلى موقع التصوير والعودة منه أمراً سهلاً. في الغابة، صادفنا الثعابين والبعوض القاتلة، لكن هذه جزء من التجربة. إذا كانت لديك موازنة ضخمة، كما في هوليوود، يمكنك ببساطة إعادة إنشاء كلّ شيء داخل استوديو. لكن، لن يكون كالتصوير في الطبيعة.
* لا نرى لقطات قريبة في الفيلم. معظمها واسع…
- تقوم هذه المقاربة على نظرة موضوعية ومنفصلة عمّا يجري، لكن الانفصال لا يعني أن تكون بعيداً عمّا تراه. المسألة تتعلّق بالاحترام: احترام النظرة واحترام ما يقع أمامك. أنت لا تتلاعب بما تراه. بالنسبة لي، هذه هي السينما. (…) اليوم ثمة اعتقاد أن لغة السينما تعني تصوير كلّ شيء من جميع الزوايا الممكنة. فلا بد من لقطة قريبة، ولقطة تأسيسية تعرّف بالمكان، ولقطة عامة، ثم كلّ تلك القطعات المتبادلة بين أصابع الأشخاص وهم يتحدّثون أو يتفاعلون بعضهم مع بعض. هذا هو نوع السينما التي يفرضونها عليك. ومع الوقت، تتحوّل إلى نوع من العقيدة. لا، لستُ مضطراً إلى اتباع هذه القواعد. إذا كنت مخرجاً جيداً، فعليك أن تبتكر لغتك السينمائية الخاصة. اعمل وفق شروطك أنت.
* هذا أحد أفلامك الأقصر، وأنت معروف بأفلام وصلت مدّة بعضها إلى 8 ساعات!
- نعم، مدّته ساعتان و27 دقيقة. لكنني لا أخطّط لذلك. الأمر يحدث ببساطة تامة. القرار المتعلّق بالمدة يُتَّخذ أثناء المونتاج. وإذا انتهينا بفيلم مدته ثلاث ساعات أو خمس ساعات، فلمَ لا.
* قلتَ لي ذات مرة في برلين، وأذكر ذلك جيداً، إنك لا تمانع أن يغادر أحدهم قاعة العرض لمدة ساعة ثم يعود.
- بالتأكيد. عليك أن تحترم ظروف المُشاهد. أعرف أن عرض فيلم مدّته 8 ساعات يتطلّب الكثير من الجهد. أتفهّم ذلك. إذا رأى المُشاهد أنه لا بأس في أن يغادر القاعة ثم يعود، فلا مشكلة. دَعْه يجعل السينما جزءاً من حياته.
* بعد "دبّ" في برلين و"أسد" في البندقية، هل أصبحتَ اليوم قادراً على تأمين أي موازنة تريدها لأفلامك؟
- ليس تماماً. هناك أشخاص يرغبون في العمل معي، لكن الأمر يتطلّب جهداً كبيراً: البحث عن التمويل، واقتراح الأفكار، وتطوير المشاريع. أنت تعرف كيف تسير صناعة السينما. هناك الكثير من العمل الذي ينبغي إنجازه، فيما أنا أريد أن أبسّط طريقتي. كلّ ما أحتاج إليه هو موازنة محدودة. نصوّر ببساطة في مكان ما، وهذا أهم من الانتظار للحصول على مئة مليون.
المصدر: النهار