علاء فاروق يكتب: تقدير موقف .. اعتماد الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا.. هل تضيع سنوات التقارب بين القاهرة وأنقرة؟
شهدت العلاقات المصرية التركية تطورا سريعا وملحوظا منذ أن أعادت الدولتان النظر فى سياساتهما تجاه بعضهما بعضا، وفضلتا لغة المصالحة والمصالح المشتركة على لغة الصدام والتصعيد. وقد اتخذت العلاقات مسارا متسارعا نحو التطبيع والتقارب خلال السنوات الماضية، لا سيما فى ظل غياب أزمات كبرى من شأنها تعكير أجواء التفاهم والتوافق بين البلدين.وحتى الملفات العالقة بين الدولتين، شهدت تقاربا فى الرؤى وطرق التعاطى معها، وصل فى كثير من الأحيان إلى حد التطابق. ويأتى الملف الليبى، بتفاصيله المعقدة والمتشابكة، فى مقدمة هذه الملفات، إذ بذلت دبلوماسية البلدين جهودا كبيرة لتعزيز التنسيق بدلا من التصادم. بل أسهمت كل دولة فى جهود التهدئة وإقناع أطراف الصراع الليبى بضرورة تغليب لغة العقل والتفاوض على لغة السلاح والمواجهة، ومارست ضغوطا على حلفائها فى الداخل الليبى، مصر فى الشرق وتركيا فى الغرب، من أجل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تدفع نحو توحيد البلاد وإجراء الانتخابات.إلا أن اعتماد مجلس النواب الليبى مذكرة التفاهم البحرية التى وقعتها ليبيا مع تركيا عام 2019 أحدث إرباكا فى العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا، وكذلك بين مصر وليبيا، ولا سيما مع الشرق الليبى، الذى تمثل قوات المشير خليفة حفتر أبرز قواه العسكرية، والذى ظل لسنوات حليفا استراتيجيا للدولة المصرية. ورغم أن الرفض المصرى لاعتماد الاتفاقية، واعتبارها باطلة قانونيا، والتأكيد أن قرار البرلمان الليبى لا يترتب عليه أى أثر قانونى، لم يكن الموقف الوحيد الرافض لهذه الخطوة، إذ عارضتها أيضا اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبى، فإن الموقف المصرى كان الأكثر إثارة للقلق لدى أطراف الاتفاقية، خاصة مع تأكيد وزير الخارجية المصرى، خلال زيارته لتركيا، رفض القاهرة الشديد للاتفاقية، واعتبارها مخالفة للقانون الدولى للبحار.ومع هذا الرفض والتصعيد المصرى تجاه الاتفاقية وأطرافها، سواء عبر القنوات الرسمية أو وسائل الإعلام المقربة من الدولة، برزت تساؤلات عدة حول تداعيات هذه الأزمة على العلاقات المصرية التركية، ومدى تأثيرها فى مسار التقارب الذى تحقق خلال السنوات الماضية، خاصة بعد اعتماد الاتفاقية من جانب البرلمان الليبى.وقبل الإجابة عن مدى تأثير هذه الخطوة فى العلاقات بين مصر وتركيا، لا بد من التأكيد أن الدولتين اتخذتا مواقف دبلوماسية تعكس حرصهما على عدم السماح للأزمة بالتأثير فى طبيعة العلاقات الثنائية وعمقها. لكن فى المقابل، تبرز ضرورة البحث عن حلول عملية قبل أن تتجه القاهرة إلى المحافل الدولية وتتخذ إجراءات قانونية رسمية ضد تركيا وليبيا.تفهم تركى واتجاه نحو التفاوضسارع الجانب التركى إلى اتخاذ خطوات لاحتواء الأزمة مع مصر، مع إعطاء الأولوية لمعالجة التحفظات المصرية مقارنة بمواقف الدول الأخرى، وفى مقدمتها اليونان وقبرص. وقد تجلى ذلك فى سلسلة من التصريحات والمواقف والوعود التركية.فقد أكد وزير الخارجية التركى أن بلاده تتفهم جيدا الشواغل المصرية تجاه الاتفاقية، مشددا على ضرورة مناقشة الأمر من خلال التنسيق المشترك بين الدولتين. كما أعلن عن اجتماع ثلاثى يضم تركيا ومصر وإيطاليا، بهدف بحث التحفظات المصرية على الاتفاقية والبحث عن حلول لها.ولم تقتصر محاولات احتواء الأزمة على تصريحات وزير الخارجية التركى، بل امتدت إلى إبداء استعداد أنقرة لتوقيع اتفاقية بحرية مع مصر فى شرق البحر المتوسط. فقد أكد وزير الدفاع التركى، يشار جولر، استعداد بلاده لتوقيع اتفاقية مع القاهرة بشأن ترسيم الحدود البحرية فى المنطقة، مشيرا إلى أن مثل هذه الاتفاقية، وفقا لوجهة النظر التركية، قد تمنح مصر نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية من مناطق الولاية البحرية، مقارنة باتفاقية محتملة مع اليونان.وتعكس هذه التصريحات رغبة تركية فى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة مع القاهرة، ومحاولة احتواء الخلاف من خلال تقديم مقترحات يمكن أن تشكل أساسا لتفاهمات جديدة بشأن الحدود البحرية والمصالح الاقتصادية فى شرق المتوسط.استجابة مصرية.. ولكن!من جانبها، تلقت الدولة المصرية الرسائل التركية بترحيب، وأكدت استمرار اتصالاتها المباشرة مع الجانبين التركى والليبى خلال الأيام الماضية. كما زار وزير الخارجية المصرى، بدر عبد العاطى، تركيا، والتقى نظيره التركى والرئيس رجب طيب أردوغان، وأبلغهما رسميا رفض مصر للاتفاقية.ورغم ترحيب القاهرة بالخطوات التركية الرامية إلى احتواء الأزمة، فإنها كانت واضحة بشأن الإجراءات التى تعتزم اتخاذها تجاه الاتفاقية. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير نادر زكى، أن القاهرة تعد حاليا ملفا قانونيا متكاملا بشأن مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا، بالتعاون مع خبراء القانون الدولى، مشيرا إلى أن الخيارات المصرية لا تقتصر على قبول الوضع القائم أو التصعيد المباشر. وأكدت الخارجية المصرية أن القانون الدولى يكفل للدول المتضررة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما فى ذلك المطالبة بوقف أعمال الحفر والاستكشاف فى المناطق المتنازع عليها، والسعى للحصول على تدابير قضائية عاجلة لوقف هذه الأنشطة إلى حين تسوية النزاع.وتشير هذه التصريحات إلى أن القاهرة لا تزال تمتلك أدوات قانونية ودبلوماسية يمكن توظيفها للطعن فى الاتفاقية التركية الليبية، أو محاولة عرقلة تنفيذها عمليا، من خلال التأكيد على وجود نزاع قانونى بشأن المناطق البحرية المعنية. وقد يفتح ذلك الباب أمام إجراءات قضائية أو دبلوماسية تتعلق بأنشطة التنقيب والاستكشاف، وإن كان نجاح هذه الإجراءات يتوقف على الأسس القانونية والاختصاص القضائى للجهات المعنية.ويعنى ذلك أن لغة التهدئة والتفاهم التى تبنتها أنقرة لم تكن كافية، حتى الآن، لاحتواء الخلاف بصورة كاملة، وأن القاهرة تسعى إلى الحصول على ضمانات أو تفاهمات عملية تراعى مصالحها البحرية والاقتصادية.ومن ثم، فمن المتوقع أن تسعى القاهرة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على أنقرة من أجل التوصل إلى صيغة توافقية، سواء من خلال توسيع إطار التفاهمات البحرية لتشمل مصر، أو التفاوض على اتفاق لترسيم الحدود البحرية يمنح القاهرة مكاسب إضافية فى شرق المتوسط، أو تعديل بعض بنود الاتفاقية التركية الليبية ونطاقاتها البحرية، بما يضمن عدم تعارضها مع المصالح والحقوق البحرية المصرية، خاصة بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان عام 2020.هل تتأثر العلاقات المصرية- التركية؟لا شك أن اعتماد الاتفاقية البحرية التركية الليبية برلمانيا تسبب فى تعكير أجواء العلاقات بين القاهرة وأنقرة، وأعاد إلى الأذهان مرحلة التنافس والتوتر بين الدولتين، التى تصاعدت عقب وصول الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى السلطة، حين تأثرت العلاقات الثنائية بالخلافات السياسية وتضارب المواقف وصراع النفوذ الإقليمى.ومع ذلك، ليس من المنطقى أن تضحى قوتان إقليميتان بحجم مصر وتركيا بما حققتاه خلال السنوات الماضية من تقارب سياسى ومصالح اقتصادية وتبادل تجارى وتعاون أمنى وعسكرى، امتد إلى مجالات الصناعات الدفاعية، بسبب خلاف يمكن البحث عن حلول تفاوضية وقانونية له.فالعلاقات بين البلدين لم تعد محكومة بملف واحد، مهما بلغت أهميته، بل أصبحت ترتبط بشبكة واسعة من المصالح المشتركة والتفاهمات الإقليمية، وهو ما يجعل إدارة الخلافات أكثر تعقيدا، لكنه يوفر فى الوقت نفسه دوافع قوية للحفاظ على مسار التقارب.وعليه، تظل سيناريوهات عدة مطروحة، من بينها التصعيد القانونى المصرى فى المحافل الدولية، أو البحث عن شراكات جديدة فى شرق المتوسط، حتى مع أطراف تتنافس مع تركيا، فضلا عن توظيف الأوراق السياسية والأمنية المرتبطة بالملف الليبى للضغط من أجل الوصول إلى تسوية تراعى المصالح المصرية.لكن سيناريو الصدام المباشر أو العودة إلى القطيعة الشاملة بين القاهرة وأنقرة يبدو مستبعدا فى ظل المعطيات الراهنة، خاصة مع حالة الاضطراب السياسى والأمنى التى تشهدها المنطقة، وتزايد حاجة كل دولة إلى الأخرى فى التعامل مع التحديات الإقليمية.وبذلك، فإن الاختبار الحقيقى للعلاقات المصرية التركية لا يكمن فى وجود الخلاف حول الاتفاقية البحرية، بل فى قدرة البلدين على إدارته دون السماح له بتقويض سنوات التقارب. فالمصالح المشتركة التى دفعت القاهرة وأنقرة إلى تجاوز خلافاتهما السابقة قد تكون اليوم العامل الأهم فى منع تحول الأزمة البحرية إلى أزمة سياسية شاملة.* باحث دكتوراه فى المفاوضات والعلاقات الدولية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسيةينشر بالتعاون مع المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
المصدر: المصري اليوم