شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عندما يصبح العلم «إكسسوار» السياسة!

عندما يصبح العلم «إكسسوار» السياسة!

«عيب.. والله عيب. قطعت 8 آلاف كيلومتر للمجىء إلى هنا، لكى لا يسمعنى أحد. نحن نضحك على أنفسنا».. هكذا عبّر العالِم العراقى سلمان الرواف، أستاذ الصحة العامة بجامعة «إمبريال كوليدج» بلندن، غاضباً تجاه ما تعرّض له خلال مؤتمر علمى بجامعة بغداد قبل أيام. افتتح وزير التعليم العالى العراقى المؤتمر، وكان من المقرر أن يتحدث الرواف بعده. لكن الوزير غادر القاعة بعد انتهاء كلمته. سحبت وسائل الإعلام والقنوات التليفزيونية كاميراتها وميكروفوناتها من أمام الرواف وجرت خلف الوزير. بعد ذلك، تتالت الاعتذارات والتبريرات بأن ما حدث خطأ تنظيمى.لكن ما جرى تجسيدٌ صارخٌ لتراجع القيم المهنية والأكاديمية وسيادة ثقافة «اللقطة» فى المجال العام والمنظومة الإعلامية، ليس فى العراق فقط، بل فى عالمنا العربى كله. جزء كبير من وسائل إعلامنا لا يتحرك بدافع إثراء محتوى ما يقدمه، أو تعميم الفائدة العلمية على الجمهور، بل من أجل الملاحقة الدعائية للمسؤولين. بمجرد انتهاء الوزير من إلقاء كلمته ومغادرته القاعة، تنتهى القيمة الإخبارية للحدث. لا يهم ما يقوله العلماء المشاركون. الاهتمام الأساسى ينصبّ على المسؤول الكبير. جلسات المؤتمرات، خاصة العلمية، لا أهمية لها، ولن تتم مُساءلة أحد لماذا لم يقُم بتغطيتها!. المفارقة أن الإعلام فقط لم ينسحب مع مغادرة المسؤول، بل كثير من الضيوف؛ لقد جاءوا من أجله فقط، ربما يحظون بصورة معه أو كلمة عابرة.. أما العلم والعلماء، فلا أهمية لهما.الإعلام يتعامل مع كثير من المؤتمرات العلمية والأكاديمية بوصفها نشاطاً حكوميا يجب تغطيته، وليس كـ«قيمة معرفية» يجب نقلها للمجتمع. الجامعات والمراكز العلمية المصرية تعقد سنويا عشرات المؤتمرات البحثية والعلمية. يشارك فيها علماء مصريون بجامعات غربية. الهدف المُعلن الاستفادة من الخبرات والتطوير وتحسين بيئتنا العلمية. لكن الواقع يقول إن الديكورات الضخمة والافتتاحات المُبهرة، تستهدف غالبا أخذ اللقطة. ما إن ينتهى حفل الافتتاح حتى تنطفئ الكاميرات ويغادر أصحاب القرار. يتم ترك الباحثين يتناقشون مع بعضهم فى قاعات شبه خاوية. يسود الانطباع بأن الشكليات هى الأهم. يصبح الباحث أو العالِم مطلوبا، لا لأن لديه ما يقدمه، بل لمنح منصة الافتتاح «الهيبة العلمية» اللازمة. يكون أشبه بـ«إكسسوار» أو ديكور فى استعراض سياسى وإعلامى. الفيلسوف الفرنسى جى ديبور فكك فى كتابه «مجتمع الاستعراض» الصادر 1967 هذه الظاهرة. كل شىء يتحول إلى صورة أو لقطة. المؤتمرات العلمية لا تستمد أهميتها من الأوراق العلمية التى تناقشها، بل من حجم الاهتمام الإعلامى بها، ومن حضرها من الوزراء والمسؤولين. عندما تنسحب الكاميرات وتلهث خلف المسؤول تاركة الباحثين يحدثون أنفسهم، تكون تلك لحظة تفكك الاستعراض. الإعلام يرى أن الهدف الذى سعى إليه تحقق بظهور المسؤول. ما تبقى من مناقشات علمية فائض عن حاجة «مجتمع الصورة».حفلات الافتتاح البراقة والكاميرات العملاقة وشاشات العرض الذكية والفنادق الفخمة التى تستضيف المؤتمرات تخدعنا، وتقول إننا فى مجتمع حديث متقدم. بينما الواقع يؤكد أن هذه مجرد مظاهر. من المفترض أن العلم هو الأصل. عندنا يكاد يكون «زِينة» فائضة يمكن الاستغناء عنها.

المصدر: المصري اليوم