الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر.. السودان على حافة المجاعة
كشفت بيانات أممية عن تفاقم أزمة سوء التغذية في السودان، بعدما تجاوزت 49% من المسوحات التغذوية التي أُجريت خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 عتبة الطوارئ المحددة من منظمة الصحة العالمية، في مؤشر على اتساع رقعة الأزمة الإنسانية التي تضرب البلاد بفعل الحرب وتدهور الأمن الغذائي. وتُظهر البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» ومجموعة التغذية أن 18 مسحاً من أصل 37 رصدت مستويات لسوء التغذية الحاد بلغت عتبة الطوارئ أو تجاوزتها، فيما سجلت سبعة مسوحات معدلات بلغت 20% أو أكثر، ما يعكس حدة الأزمة في عدد من المناطق، ولا سيما إقليم دارفور. وبحسب التقديرات الأممية، يحتاج نحو 8.4 ملايين طفل دون الخامسة وامرأة حامل ومرضع إلى مساعدات تغذوية خلال عام 2026، بينهم نحو 5 ملايين طفل و3.4 ملايين امرأة حامل ومرضع، كما يُتوقع أن يحتاج 4.19 ملايين شخص إلى خدمات علاج سوء التغذية الحاد، بينهم نحو 825 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم. وسجل إقليم دارفور أعلى مستويات سوء التغذية، إذ تجاوزت 13 مسحاً من أصل 17 أُجريت فيه عتبة الطوارئ، في حين رصدت المسوحات مستويات مماثلة في مناطق متفرقة من ولايات كسلا والخرطوم والقضارف وشمال كردفان. وشملت المناطق التي تجاوزت فيها المؤشرات عتبة الطوارئ تلكوك بولاية كسلا، وأم بدة وأم درمان بالخرطوم، والرهد بالقضارف، وجبرة الشيخ بشمال كردفان، في المقابل، لم تتجاوز المسوحات المنفذة في النيل الأزرق وسنار وجنوب كردفان ووسط دارفور والنيل الأبيض عتبة الطوارئ. وتتركز نسبة كبيرة من عبء سوء التغذية في ولايات الخرطوم وشمال دارفور وجنوب دارفور والجزيرة، التي تمثل مجتمعة 42% من الإجمالي، فيما تستحوذ ولايات دارفور الخمس على 30%، وولايات كردفان الثلاث على 15%. وتأتي هذه المؤشرات في ظل استمرار الحرب وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وتضرر سبل كسب العيش والإنتاج الزراعي، إلى جانب صعوبات الوصول إلى الغذاء والخدمات الصحية والتغذوية في مناطق واسعة من البلاد. وعلى الرغم من جهود الاستجابة الإنسانية، تكشف البيانات عن فجوات في تغطية برامج علاج سوء التغذية، إذ حشد فريق تنسيق قطاع التغذية أكثر من 53 شريكاً لتوسيع التدخلات العلاجية والوقائية، مستعيناً بنحو 2,500 مركز للتغذية العلاجية الخارجية، وما بين 113 و130 مركزاً للتغذية العلاجية الداخلية. وخلال الفترة من يناير إلى سبتمبر، تلقى 383,155 طفلاً العلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم من دون مضاعفات طبية عبر برنامج التغذية العلاجية الخارجية، بما يعادل 80.6% من المستهدف البالغ 475,231 طفلاً. في المقابل، سجلت مراكز التغذية العلاجية الداخلية 26,016 حالة قبول للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد المصحوب بمضاعفات طبية، بنسبة بلغت 37.2% فقط من المستهدف البالغ 69,966 حالة. وأشار التقرير إلى أن 61 محلية لم تسجل أي حالات قبول في مراكز التغذية العلاجية الداخلية، رغم وجود احتياجات علاجية مقدرة، ما يسلط الضوء على فجوات في إتاحة الخدمات والوصول إليها. وفي برنامج التغذية التكميلية المستهدفة، بلغ عدد الأطفال الذين جرى قبولهم 445,230 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهراً، بنسبة 42.4% من المستهدف، فيما بلغ عدد النساء الحوامل والمرضعات 153,721 امرأة، بنسبة تغطية بلغت 60.9%. أما برنامج التغذية التكميلية الشاملة، فسجل مستويات تنفيذ متدنية للغاية، إذ لم تتجاوز نسبة تحقيق المستهدف 2.6% للأطفال دون الخامسة و3% للنساء الحوامل والمرضعات. وفي التدخلات الوقائية، قدم الشركاء مكملات فيتامين «أ» إلى 4,453,397 طفلاً في 131 محلية، كما وفروا مكملات الحديد وحمض الفوليك إلى 982,746 امرأة حامل ومرضع في 154 محلية. وحذر التقرير من احتمال استمرار تدهور الوضع التغذوي خلال الربع الأخير من عام 2026، في ظل ارتفاع حالات القبول في برامج التغذية العلاجية والتكميلية، وزيادة معدلات سوء التغذية التي رصدتها المسوحات، خصوصاً في ولايات دارفور. وربط التقرير المخاطر المتوقعة بتدهور الأمن الغذائي والاحتمال المبكر لبدء موسم الجوع في عام 2027، مرجحاً استمرار ارتفاع حالات سوء التغذية، خلافاً للاتجاه التنازلي الذي سُجل في سنوات سابقة خلال فترة الحصاد الممتدة من أكتوبر إلى مطلع العام. وأوضح أن تراجع الأمطار والجفاف المرتبط بظاهرة «النينيو» ألقيا بظلالهما على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بما يهدد الإنتاج وتوافر الغذاء، في وقت كانت فيه فترة الحصاد تسهم عادة في زيادة المعروض من المحاصيل وانخفاض الأسعار. وتعكس هذه المؤشرات تداخلاً بين أزمة الغذاء وتدهور الخدمات الصحية والتغذوية، بما يزيد من المخاطر التي تواجه الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة، ويضع الاستجابة الإنسانية أمام تحديات متصاعدة مع اقتراب موسم الجوع. حذر محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق والقيادي بتحالف «صمود»، من تفاقم أزمة الجوع في السودان، داعياً إلى تنبيه المجتمع الدولي إلى خطورة الوضع، ومطالباً الأطراف المعنية بالانخراط في هدنة إنسانية تتيح إنقاذ المدنيين وتخفيف معاناتهم. وقال الفكي إن السودان يواجه مجاعة، منتقداً ما وصفه بمحاولات التقليل من حجم الأزمة، في وقت يعجز فيه مواطنون عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الخبز والذرة، وأشار إلى الارتفاع الكبير في أسعار الحبوب، قائلاً إن سعر أردب الذرة بلغ، بحسب تقديره، ملياراً ونصف المليار، كما لفت إلى صدور أوامر محلية في عدد من الولايات تمنع خروج الذرة إلى خارج حدودها. وأضاف أن الأمطار خلال موسم الخريف الحالي لم تبلغ مستويات مطمئنة، مع اقتراب نهاية الموسم وبداية فترة «الدرت» والحصاد، مشيراً إلى أن تراجع المراعي والأعلاف المتاحة للماشية قد يفاقم الضغوط على المزارعين والرعاة، ويزيد احتمالات نشوب نزاعات بينهم حول الموارد والمحاصيل الزراعية. وشدد الفكي على ضرورة إطلاق نداء دولي عاجل بشأن الجوع في السودان، معتبراً أن غياب حكومة قادرة على الاستجابة، بالتزامن مع استمرار الحرب، يجعل الأزمة أكثر تعقيداً. ودعا إلى عدم تأخير التحرك الإنساني، محذراً من أن التأخر في إعلان المجاعة والاستجابة لها قد يؤدي إلى خسائر بشرية واسعة. واستحضر الفكي تجربة المجاعة التي شهدها السودان في أواخر عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، قائلاً إن تأخر الإعلان عنها كلف البلاد أرواح مئات الآلاف، وداعياً إلى تجنب تكرار التجربة. كما حث السودانيين على رفع أصواتهم بشأن معاناة الجوع والعطش، والتركيز على إنقاذ الأرواح وتوفير الاحتياجات الأساسية، بدلاً من الانشغال بالصراعات السياسية، مؤكداً ضرورة التحرك العاجل لتخفيف معاناة المواطنين. من جانبه، قال خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف «صمود»، إن السودانيين يعيشون أوضاعاً إنسانية ومعيشية بالغة القسوة، سواء داخل البلاد أو خارجها، في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية. وأوضح أن المواطنين في الداخل يواجهون ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار، وتآكلاً في الدخول، وتراجعاً في فرص العمل، وتعطلاً للخدمات، فضلاً عن عجز أسر عن توفير الغذاء والدواء لأطفالها، محذراً من اتساع رقعة الجوع ومخاطر المجاعة. وأضاف أن معاناة السودانيين في الخارج لا تقل قسوة، إذ يكافح ملايين منهم لتوفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم وإعالة أسرهم، بينما يعيش النازحون واللاجئون في ظروف صعبة، معتمدين على مساعدات لا تلبي احتياجاتهم الأساسية، في ظل نقص مستلزمات الحماية من البرد والجوع. وشدد خالد عمر على أن خيارات السودانيين بشأن البقاء في البلاد أو مغادرتها أو العودة إليها تظل حقوقاً شخصية لا ينبغي تحويلها إلى مادة للصراع السياسي، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين حياة المواطنين أينما كانوا، وضمان حصولهم على الغذاء والدواء والسكن والأمان، واستعادة قدرتهم على العمل وإعالة أسرهم. وعزا القيادي بتحالف «صمود» الأزمة الراهنة إلى الحرب والفساد والاستبداد، معتبراً أن المعاناة ستستمر وتتفاقم ما دامت أسبابها قائمة، وأن أي جهد سياسي أو خطاب عام يفقد قيمته إذا لم يكن هدفه الأساسي إنهاء الحرب ورفع المعاناة عن المواطنين. وختم بالتأكيد على أن الأولوية القصوى ينبغي أن تتمثل في إنهاء الحرب، واستعادة كرامة السودانيين، وضمان حقهم في حياة آمنة وكريمة تستحق أن تُعاش.
المصدر: البيان