شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الأردن أمام استنزاف صامت ، نجاة الحدود لا تعني نجاة الدولة

الأردن أمام استنزاف صامت ، نجاة الحدود لا تعني نجاة الدولة

قد يبقى الأردن خارج الحرب، ويدفع كلفة تضغط على اقتصاده وتضيّق خياراته، فالدولة لا تُستنزف بالصواريخ وحدها، بل حين تتراجع تجارتها، ويخاف زوارها، وتتسع أعباؤها، ثم يُطلب من مواطنيها تحمّل المزيد باسم الاستقرار، هنا يصبح السؤال كيف يمنع الأردن انتقال اضطراب الجوار إلى علاقة متوترة بين الدولة والمجتمع، قبل أن يجد المتطرفون هناك موطئ قدم .في مطلع أكتوبر، تناولت تغطيات صحفية وثيقةً كشفتها هآرتس، أعدها مشاركون في برنامج تابع لمعهد أرغمان اليميني، تدعو إلى الاستعداد لاحتمال تحول الأردن ومصر إلى دولتين معاديتين، وتطرح ضم الضفة الغربية وتشجيع مغادرة الفلسطينيين، ليست الوثيقة سياسة حكومية معلنة، لكن حضور خريجي البرنامج في مؤسسات إسرائيلية يمنحها أهمية تستدعي المتابعة، دون افتراض أن مقترحاتها أصبحت قرارًا .الخطر على عمّان هو التعامل مع استقرار الجوار بوصفه أمرًا يمكن المجازفة به لتحقيق مكاسب إقليمية، فإذا تقلصت فرص الحياة الفلسطينية تحت ضغط الاستيطان والعنف وانسداد الأفق السياسي، ازداد خطر الرحيل، دون أن يكون النزوح نحو الأردن نتيجة حتمية، لذلك فإن مساعدة الفلسطيني على البقاء في أرضه دفاع مبكر عن الأمن الأردني، وليست شأنًا تستطيع المملكة تأجيله .ولهذا الدفاع مضمون عملي، تفاهمات مع مصر والشركاء العرب لتسهيل الصادرات الفلسطينية ودعم الخدمات الأساسية، وربط التحرك الدبلوماسي بمطالب تمنع التهجير، هذه الإجراءات لا توقف الضم وحدها، لكنها تمنح الموقف السياسي أدوات للعمل، والاختبار هو ما يصل منها إلى المزارع والتاجر والأسرة الفلسطينية، فالاتفاق الذي لا يخفف صعوبة العيش يبقى محدود الأثر .وفي الثالث والعشرين من أكتوبر، أودى الهجوم على كنيسة حمود بالكرك بحياة تسعة أشخاص، كاشفًا قدرة العنف على إصابة المجتمع في تماسكه، ولا يصح تفسير الجريمة تلقائيًا بالفقر أو بالحرب في فلسطين، فإثبات دوافع المنفذين وصلاتهم مهمة التحقيق، لكن مواجهة استغلال الجماعات المتطرفة للمظالم تقتضي التمييز بين الغضب والتحريض، وبين من يطالب بتغيير السياسات ومن يبيح الاعتداء على الناس .هنا تلتقي الجبهات، فالتوتر الإقليمي قد يؤجل رحلة سياحية أو استثمارًا، وتراجع النشاط يضغط على الوظائف والدخل، وإذا شعر المواطن أن الأعباء توزع بغير عدالة، ضعفت ثقته بالمؤسسات، لا تقود هذه السلسلة حتمًا إلى التطرف، لكنها قد تمنح دعاة القطيعة فرصة لاستغلال الإحباط، ولذلك فإن الإنصاف وسرعة الاستجابة للشكاوى يساعدان الدولة على سد الطريق أمامهم .وتتيح التوجيهات الملكية بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف فرصة لتحويل الوقاية إلى ممارسة مستمرة، في المدرسة والمنبر ومراكز الشباب، بمسؤوليات واضحة، ويُقاس التقدم بما يتعلمه الطالب عن الاختلاف، وبقدرة المؤسسات على اكتشاف التحريض والتعامل معه، لا بعدد الندوات، فالوعي يحتاج مساحة للسؤال، والقانون يحتاج تطبيقًا دون انتقائية، والمواطن يحتاج أن يعرف أن نقده لا يجعله موضع اشتباه .أما إيران، فقد بحث أيمن الصفدي وعباس عراقجي خفض التصعيد في اتصال السابع والعشرين من أكتوبر، وقيمة الحوار تقاس بما يساعد على تجنبه، من انتهاك للأجواء أو اتساع للمواجهة يربك الطيران والتجارة، والتواصل مع طهران، كما مع إسرائيل، ينبغي أن يوضح حدود الموقف الأردني، حماية السيادة مع إبقاء باب التهدئة مفتوحًا، فالاعتراض يحتاج ما يسنده، حين يعرف الطرف الآخر موقفك ويختار تجاهله .ولكي تسبق الحكومة الضرر الاقتصادي، تحتاج متابعة لتعطل النقل وإلغاء الحجوزات وفقدان الوظائف، ومساندة مؤقتة للمنشآت التي تثبت خسائرها وتحافظ على عمالها، وتجهيز بدائل للإمدادات قبل انقطاعها، مع تحديد الجهة المسؤولة وشروط التدخل وموعد انتهائه، ويكون معيار النجاح استمرار الأعمال، لا حجم الأموال المصروفة، فالموارد المحدودة تفرض ترتيب الأولويات، وحماية مورد رزق قد تمنع أعباء اجتماعية أطول عمرًا من الأزمة .لن تتشابه أدوات مواجهة التوسع الإسرائيلي والتطرف والحروب الإقليمية، لكن توقيت استخدامها قد يحدد كلفتها، فالتدخل قبل اتساع الضرر يترك للحكومة خيارات تضيق حين تتحول الأزمة إلى أمر واقع، لذلك لا يكفي أن يظل الأردن آمنًا على الخريطة، إذا تأخرت حماية أسباب أمنه في الداخل، وما يمكن احتواؤه اليوم بإجراء، قد يتطلب غدًا تنازلات كان بالإمكان تجنبها .

المصدر: عمون