الأبعاد الاستراتيجية لزيارة جلالة السلطان إلى الصين
مرتضى بن حسن بن علي في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في طبيعة الشراكات الاقتصادية والسياسية، تكتسب زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية الصين الشعبية، تلبيةً لدعوة فخامة الرئيس شي جين بينغ، أهمية خاصة في مسيرة العلاقات بين البلدين. ولا تقتصر دلالات الزيارة على كونها مناسبة دبلوماسية رفيعة المستوى؛ فهي تستند إلى تاريخ طويل من التواصل الحضاري والتجاري، يعود إلى أكثر من ألف ومئتي عام، حين أبحرت السفن العُمانية نحو الموانئ الصينية. لكن هذا التواصل يتجدد اليوم في سياق مختلف، تبرز فيه موضوعات التصنيع والابتكار ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تعزيز التكامل بين رؤية عُمان 2040 ومُبادرة الحزام والطريق الصينية. وتنبع أهمية الزيارة كذلك من توقيتها وما تحمله من أبعاد جيوسياسية، إذ يتَّجه العالم إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وتنويع الشراكات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، تتيح عُمان لموقعها الجغرافي المتميز، المطل على ممرات ملاحية مهمة والقريب من أسواق إقليمية ودولية واسعة، أن تعزز مكانتها بوصفها مركزًا لوجستيًا واستثماريًا مستقرًا للشريك الصيني. كما تُؤكد الزيارة توجه السلطنة نحو تنويع اقتصادها وتنويع مصادر دخلها وعدم الاعتماد على النفط والغاز وبناء قاعدة إنتاجية أكثر استدامة، بما يُقلل الاعتماد على تقلبات أسواق النفط التقليدية. وتتيح الشراكة بين البلدين فرصًا ومكاسب متبادلة. فعلى صعيد سلطنة عُمان، يمكن أن تسهم في استقطاب الاستثمارات الصينية وتوجيهها إلى تطوير المناطق الاقتصادية والصناعية، ومنها الدقم وصحار وصلالة. كما تفتح المجال أمام نقل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة الموانئ وربطها بشبكات التجارة العالمية. ومن شأن هذه المشاريع أيضًا أن تدعم الصناعات المحلية وتوفر فرص عمل نوعية للكفاءات الوطنية. أما الصين، فتستفيد من تعزيز أمن إمدادات الطاقة، بما يشمل النفط والهيدروجين والأمونيا الخضراء، ومن موقع عُمان بوابةً لوجستية مهمة للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا. كذلك تتيح لها الشراكة توسيع استثماراتها في بيئة مستقرة ومهيأة للأعمال. ولتحويل مخرجات الزيارة ومذكرات التفاهم إلى مشاريع ملموسة، تبرز أهمية إعداد خطط تنفيذية واضحة تتضمن جداول زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بالتنسيق بين جهاز الاستثمار العُماني والجهات المعنية. كما يتطلب الأمر تعزيز دور القطاع الخاص العُماني في إقامة مشروعات مشتركة مع الشركات الصينية، بما يضمن تبادل الخبرات ونقل المعرفة. ويظل الاستثمار في تدريب الكفاءات الوطنية، وتوسيع فرص ابتعاثها إلى مراكز الأبحاث والمصانع المتقدمة، إلى جانب مواصلة تحسين بيئة الأعمال، وخلق بيئة صديقة للاستثمار وايجاد قوانين عمل مرنة وصديقة للاستثمار من العوامل المهمة لجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة. وترتبط الاستفادة الفعلية من هذه الشراكة بمجموعة من الضوابط التنموية. يأتي في مقدمتها توطين القيمة المضافة، بحيث تتجاوز المشاريع أنشطة التجميع إلى نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات التصنيعية، مع تعزيز مشاركة الموردين المحليين. ويأتي بعد ذلك التدريب والتأهيل المهني، من خلال إعداد الكوادر العُمانية وتمكينها من إدارة المشاريع وتشغيلها مستقبلًا. كما تبرز ضرورة الالتزام بالاستدامة البيئية، وتوجيه الاستثمارات نحو الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء بما ينسجم مع مساعي السلطنة لتحقيق الحياد الصفري الكربوني. ومن المهم أيضًا ربط الاستثمار بالإنتاج الموجه للتصدير، بما يدعم تصنيع منتجات عالية الجودة تحمل علامة «صُنع في عُمان» وتصل إلى الأسواق العالمية. إنَّ زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى الصين تمثل فرصة لإحياء مسارات التواصل التي عرفها طريق الحرير، ولكن بصيغة تتلاءم مع متطلبات التنمية الحديثة. وهي تؤكد أن التعاون القائم على المصالح المتبادلة والتكافؤ، والمقرون بأهداف تنموية واضحة، قادر على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع تسهم في النمو والازدهار، وتدعم مستقبل السلطنة وأجيالها القادمة.
المصدر: الرؤية