شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كيف تسلم سياسة ترمب التجارية آسيا لبكين على طبق من ذهب؟ | صحيفة الاقتصادية

كيف تسلم سياسة ترمب التجارية آسيا لبكين على طبق من ذهب؟ | صحيفة الاقتصادية

على مدى عقد من الزمان، حثت واشنطن مصنعي العالم على نقل مصانعهم خارج الصين نحو دول جنوب شرق آسيا الحليفة، لتستهدف لاحقاً الدول والشركات ذاتها التي استجابت لدعوتها.وعلى عكس المحطات التاريخية لسياسة واشنطن الاقتصادية التي هدفت لتمكين الشركات الأمريكية بالخارج، تأتي السياسة التجارية العقابية للرئيس دونالد ترمب بنتائج عكسية. فقد أحدثت الرسوم الجمركية الشاملة صدمة واسعة لدى المصنعين عبر رابطة "آسيان"، بمن فيهم الشركات الأمريكية.بدلاً من كبح جموح الصين، تسببت هذه السياسات في إبعاد الشركاء الإقليميين، والإضرار بتنوع سلاسل الإمداد، وتآكل النفوذ الأمريكي، فيما وصفه الدبلوماسي المخضرم إيفان فيجينباوم بـ "التحول العكسي"، حيث تظهر واشنطن بمظهر المتردد والمتراجع في آسيا بدلاً من تقديم قيادة ديناميكية.وبحسب مجلة "فورتشن"، في أعقاب إعلان ترمب رسوم "يوم التحرير" الجمركية في أبريل 2025، حاولت الإدارة استخدام الضغط أداة إكراه حصدت بها بعض الصفقات قصيرة الأجل. وعندما أبطلت المحكمة العليا أجزاء واسعة من هذا النظام الجمركي في فبراير، لجأت الإدارة إلى بدائل إجرائية، مثل التدابير الطارئة وتحقيقات موسعة في العمل القسري وانتهاكات الملكية الفكرية و"الطاقة الإنتاجية الفائقة". لكن خطأ واشنطن الإستراتيجي يكمن في استبدال سياسة متماسكة تجاه جنوب شرق آسيا بسياسة ارتجالية موجهة ضد الصين، مع معاملة الشركاء الإقليميين كضحايا جانبيين لإظهار أن الصين ليست وحدها مستهدفة. تتجلى عبثية هذا النهج في سلاسل الإمداد أكثر من غيرها. فإستراتيجية "الصين زائد واحد"، أي الاعتماد على الصين ومورد آخر، هدفت لعزل القطاعات الحيوية عن المخاطر الجيوسياسية ونقلها لدول صديقة مثل فيتنام وماليزيا والهند والفلبين. واليوم، تقوض الرسوم الأمريكية هذه الإستراتيجية وتشدد الخناق على الشركاء الذين أسهموا في تحقيق هذا التنوع. وكما أشارت ديبورا إلمز، مديرة السياسات التجارية في مؤسسة "هينريش": "لقد أوجدت واشنطن هيكل الحوافز لطرق الإمداد البديلة، ثم عادت لتعاقب الشركاء الإقليميين على استخدامها".علاوة على ذلك، لم تحقق هذه الرسوم أهدافها المعلنة؛ فالارتفاع في التكاليف ونقص العمالة الماهرة محلياً لن ينقلا خطوط الإنتاج سحرياً إلى الأراضي الأمريكية، كما أن العجز التجاري الثنائي ظل على حاله، بينما يتحمل المستوردون والمستهلكون الأمريكيون التكلفة الأكبر.لقد برعت دول "آسيان" تاريخياً في التحوط الديناميكي للموازنة بين الصين والولايات المتحدة، دون الرغبة في خضوع أي منها للهيمنة الصينية، ما جعل واشنطن شريكها الطبيعي. لكن النهج العقابي المتقلب يدفعها اضطرارياً للتحوط في منافذ أخرى، مجسداً تحذير رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس: "إن تسليح الأدوات الاقتصادية يجبر القوى المتوسطة على التنظيم؛ فإذا لم نكن جالسين على الطاولة، فسنكون في قائمة الطعام".فشلت تكتيكات الضغط الأمريكي مع كندا وستفشل في آسيا. فالمطالبات بالاستثمار المباشر قوبلت بالرفض، وبدلاً من التدفق نحو واشنطن، تتجه رؤوس الأموال بكثافة نحو آسيا. يتعارض هذا التوتر مع عقود من النهج القائم على القواعد منذ "اتفاق بيلزا" عام 1985، حيث تهدد السياسات النفعية الحالية بخلق فجوة ثقة طويلة الأمد تضر بالشركات الأمريكية.ومع انسحاب واشنطن من الاتفاقيات متعددة الأطراف، ملأت دول "آسيان" الفراغ بإنشاء شبكات مؤسسية وتجارية تتجاوز الولايات المتحدة مثل "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" و "الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ".ولم تغب عن الشركات الأمريكية فوائد وجود قواعد واضحة للتعامل في إطار متعدد الأطراف. فقد تعاونت مع مفاوضي "آسيان" بشأن "إطار اقتصاد الآسيان الرقمي"، التي تغطي سوقاً رقمية تقدر بنحو تريليوني دولار.باختصار، تبني واشنطن الجدران، بينما تبني "آسيان" الهياكل التنظيمية.ورغم أن دول المنطقة لا ترغب في فك الارتباط مع الاقتصاد الأمريكي، حيث تقع 4 من دولها ضمن أكبر 20 شريكاً تجارياً للولايات المتحدة، إلا أن الثقة هي العملة الأساسية في إدارة الدول. فلم يدم نفوذ واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بحجم سوقها أو أدوات إكراهها فقط، بل برؤيتها القائمة على النفع المتبادل. وإذا استمرت واشنطن في التعامل مع شركائها الآسيويين كأحجار شطرنج في صراعها مع بكين، فستكتشف أن لديهم خيارات تجارية أخرى، ما يعرض الولايات المتحدة لعزلة اقتصادية وتراجع إستراتيجي في قرن المحيط الهادئ.

المصدر: الاقتصادية