عضو «الأعلى للدولة» يضع واشنطن أمام الأمر التنفيذي 13726: «ماذا تنتظرون؟ الشعب يُسحق يومياً - اخبار ليبيا
مسؤول ليبي: العقوبات الأمريكية يجب أن تستهدف «نهّاب المال العام» لا المواطن، ومقعد أوباري شاغر منذ 2021 رغم استيفاء الإجراءات. واشنطن بين التلويح والتنفيذ: قراءة في مذكرة «عثمان» من داخل مؤسسة يضربها الانسداد في وقت تتسابق فيه سلطات الأمر الواقع على إعادة إنتاج خطاب «الشرعية» وسط صمت دولي يكتفي بالبيانات، خرج عضو المجلس الأعلى للدولة أبوبكر محمد عثمان عن سياق التصريحات الدبلوماسية المكررة، ليضع أمام واشنطن سؤالاً قانونياً مباشراً: إذا كان الأمر التنفيذي الرئاسي رقم 13726 الصادر في 19 أبريل 2016 لا يزال ساري المفعول، وقد جُددت حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بليبيا في 13 فبراير 2026 لسنة إضافية، فما الذي يمنع تفعيل العقوبات ضد من تنطبق عليهم معاييرها؟ والسؤال ليس بريئاً؛ فالنص الأمريكي يتيح تجميد أصول من يهددون استقرار ليبيا أو يعرقلون انتقالها السياسي أو يستولون على أصول الدولة ومقدراتها، وهي معايير باتت تنطبق – من وجهة نظر ليبرالية – على شبكة المصالح التي أفرزتها سنوات الانسداد، لا على مواطن يدفع يومياً ثمن بقاء الجمود. العقوبات المطلوبة: مشرط على المعرقلين لا على «الرعية» يشدد عثمان على أن العقوبات التي يطالب بها ليست «عقوبات شعبية» أو حصاراً اقتصادياً عاماً، بل إجراءات محددة ومباشرة تستهدف الشخصيات المتسببة في تعطيل المسار السياسي وتقويض مؤسسات الدولة ونهب مقدرات الشعب، مع تجنيب المواطن تبعات أي عقوبات عامة قد يتحمل وحده كلفتها فتضاعف معاناته بدلاً من إنصافه. هذا التمييز ليس تفصيلاً تقنياً؛ فهو يفصل بين رؤية تعاقبية للعقوبات تعاقب الجماعة الوطنية بأكملها، ورؤية تستهدف مراكز القرار والامتياز التي تحاصصت على الدولة. وفي السياق الليبي، حيث تتقاطع الميليشيات مع شبكات النفوذ المالي والإداري، فإن أي عقوبات غير دقيقة قد تتحول إلى غطاء جديد لاستمرار الفساد، بينما يبقى المواطن في أوباري وسبها ودرنة خارج أي معادلة حماية. المحاصصة: حين تتحول السلطة من خدمة إلى «غنيمة» في تحليله لجذور الأزمة، لا يتوقف عثمان عند الأسماء أو المناصب، بل يذهب إلى ما هو أعمق: اختلال مفهوم السلطة ووظيفتها، وتحول التنافس عليها من خدمة الصالح العام وبناء المؤسسات إلى صراع على النفوذ والمصالح. ويصف توافق القوى المتصارعة على المحاصصة القبلية أو الجهوية أو تقاسم المناصب بأنه لا يعبر بالضرورة عن توافق وطني على مشروع لبناء الدولة، بل عن «اقتسام مواردها» بعيداً عن الشعب صاحب السلطة ومصدر الشرعية. هذه القراءة لا تبرئ حكومة الدبيبة المنتهية الولاية فحسب، بل تضعها في قلب المشهد: فحكومة فقدت الزخم الشعبي وباتت في موقع دفاعي، وفق تقارير محلية، لم تعد قادرة على تقديم نموذج «الدولة» الذي تتحدث عنه، بينما تتكاثر حولها الميليشيات وتتقاسم النفوذ. والمفارقة أن الخطاب ذاته ينسحب على «المجلس الأعلى للدولة» نفسه، حيث يوثق عثمان كيف امتنعت رئاسته «بدون وجه حق أو سند من القانون» عن تمكينه من ممارسة مهامه، مما أضعف آليات المساءلة داخل المؤسسة وضرب العلاقة بينها وبين الجهات القضائية والرقابية. أوباري: مقعد شاغر وجرح مفتوح في شرعية التمثيل على مدى خمس سنوات، ظل مقعد فرع الدائرة السابعة (أوباري) شاغراً بعد وفاة العضو أحمد علي الشريف في 21 يوليو 2021، رغم صدور رأي قانوني من اللجنة القانونية بالمجلس في أكتوبر 2021، وخطاب من المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأداء اليمين القانونية. ويصف عثمان هذا الوضع بأنه ليس مجرد «شغور إداري»، بل تهميش لحق دائرة انتخابية كاملة في المشاركة السياسية، ويكشف عن فجوة بين خطاب «الشمولية» الذي ترفعه الأجسام الدولية والحكومات المتعاقبة، وبين ممارسة تُقصي الجنوب عن صناعة القرار. والسؤال الذي يطرحه – «بأي صفة يشارك من يشارك، ومن يتحمل مسؤولية إقصاء أصحاب الاستحقاق؟» – ليس سؤالاً برلمانياً عابراً، بل هو سؤال السيادة الشعبية في مواجهة هندسة الترتيبات الدولية. المشري والنظام الداخلي: ازدواجية المعايير داخل المؤسسة الواحدة وفي ملف إنهاء عضوية خالد المشري وإحلال عضو آخر محله، يلتزم عثمان بمنطق قانوني صارم: المادة (20) من النظام الداخلي لم تترك إنهاء العضوية أو تجميدها «لإرادة منفردة»، بل أحاطتها بضمانات منها عرض الأمر على جلسة عامة وصدور القرار بالأغلبية المطلقة، مع تمكين العضو من إبداء وجهة نظره والنظر في عذره. لكنه لا يتوقف عند حدود الشخص، بل يسأل: كيف يُستحضر النص في حالة المشري، بينما يظل تطبيقه معطلاً في حالة أوباري منذ 2021؟ «هل تُطبَّق قواعد العضوية بمعيار قانوني واحد، أم تتعدد المعايير داخل المؤسسة الواحدة؟» السؤال موجّه إلى الجهات القضائية والحقوقية والرقابية ووسائل الإعلام، وليس إلى رئاسة المجلس فحسب؛ فهو يضع الجميع أمام مسؤولية الصمت عن ازدواجية تمسّ صميم المشروعية. بين واشنطن ومجلس الأمن: السيادة لا تُبنى بالتفاهمات وحدها يرحب عثمان بكل جهد دولي جاد لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، ويثمّن جهود بعثة الأمم المتحدة والمساعي الأمريكية بعد قرار مجلس الأمن 2796 (2025) الذي جدد ولاية البعثة حتى أكتوبر 2026. لكنه يحذر من أن دعم المسار لا يعني «التسليم بكل آلياته أو مخرجاته»، ولا يجوز أن تتحول التفاهمات السياسية إلى بديل عن المؤسسات التشريعية، أو أن تصبح الترتيبات الدولية مدخلاً لتجاوز قواعد التمثيل الليبي. وتوسيع المشاركة – كما يقول – لا يُقاس بعدد المدعوين إلى طاولة الحوار، بل بسلامة صفاتهم ومصادر تمثيلهم واستنادها إلى الأصول الانتخابية والقانونية. وهنا يتقاطع نقده مع جوهر الإشكال الليبي: دولة تُهندس من الخارج عبر «تفاهمات» لا تمر عبر صندوق الاقتراع، وشعب يُستدعى كمتفرج على تسويات تُدار فوق رأسه. ما يميز مذكرة عثمان أنها لا تكتفي بالشجب، بل تقدم إحداثيات قانونية قابلة للمساءلة: أمر تنفيذي أمريكي ساري، ونظام داخلي لمجلس يُفترض أنه تشريعي، ومقعد انتخابي مشروع، ومواطن يدفع الثمن. وهي إذ تنتقد حكومة الدبيبة المنتهية الولاية وترفض منطق الميليشيات، فإنها لا تمنح أي طرف آخر شهادة براءة. السؤال الذي يتركه النص معلقاً ليس «من يحكم ليبيا؟» بل «بأي قانون، وبأي صفة، وبأي ثمن للمواطن؟» وهو سؤال لا تنتظر إجابته واشنطن وحدها، بل كل من يدّعي تمثيل الليبيين.
المصدر: ليبيا أخبار