لماذا وافقت السعودية على خارطة الطريق وكيف انقلبت عليها؟
أنس القاضي .. لم تتقبل السعودية حتى الآن المتغيرات التي طرأت على موازين القوى في اليمن منذ ٢١ سبتمبر ٢٠١٤م، وما رافقها من عودة مسألة السيادة الوطنية إلى الواجهة، والتأكيد على التوافق بوصفه القاعدة الناظمة للعملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية. ويرتبط موقفها من خارطة الطريق ٢٠٢٣م بهذا المسار، فقد سبق أن باركت اتفاق السلم والشراكة الذي تم برعاية أممية عام ٢٠١٤م، مع أنها لم تكن مقتنعة به فعلاً بوصفه حلاً بين اليمنيين خارج دائرة هيمنتها، إذ حضرت فيه موازين القوى الجديدة ومسألة السيادة، وأعاد ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية، وصحّح تجاوزات مؤتمر الحوار في القضايا التي حُسمت خارج التوافق، وفي مقدمتها عدد الأقاليم ومسودة الدستور. ولم يتضمن اتفاق السلم والشراكة بنداً يخدم أنصار الله على حساب غيرهم أو يمنحهم أفضلية، كما لم ينسف مخرجات الحوار الوطني التوافقية، لذا باركته جميع القوى السياسية اليمنية. وفي سياق التنصل من اتفاق السلم دعا وزيرا الخارجية السعودي والأمريكي، من الرياض في ١٥ مارس ٢٠١٥م، إلى توافق اليمنيين على أساس المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار، وتنصّلا من اتفاق السلم والشراكة، وجاء ضرب السعودية العملي للاتفاق بالتدخل العسكري في ٢٦ مارس ٢٠١٥م، الذي نسف المسار السياسي اليمني التوافقي الذي كان يشرف عليه المبعوث الأممي الموقّر جمال بن عمر. جاءت خارطة الطريق في العام التاسع للحرب بعد عمليات واسعة لقوات الجيش واللجان الشعبية منذ مطلع ٢٠١٩م، منها عمليات «نصر من الله» و«فجر الصحراء» و«وادي أبو جبارة»، وبسط السيطرة على مناطق واسعة في الجوف ومأرب، وزوال الخطر الذي كان يهدد صنعاء من جهة فرضة نهم، ثم انتقال المواجهة إلى العمق السعودي عبر عمليات «أعاصير اليمن» واستهداف أرامكو. كما سيطر الانتقالي المدعوم إماراتياً على جنوب اليمن وشرقه، وهو ما عدّته السعودية انتقاصاً من مكاسبها في الحرب، في ظل مخاوفها من الإمارات نفسها، وعند هذه النقطة المتشابكة قبلت المملكة على مضض الجلوس مع صنعاء للسلام، ورأت في وقف الحرب مصلحة، مع أمل احتواء أنصار الله ضمن منظومة التبعية. أي إن السعودية قبلت خارطة الطريق مضطرة، لا عن قناعة بالسلام وفتح صفحة جديدة من العلاقات الندية مع اليمن، وما كانت لتقبلها لو لم تضمن لها الأمن والمصالح المشروعة، لكنها لم تضمن لها مصالحها غير المشروعة أو علاقات التبعية، فإعادة اليمن إلى حظيرة التبعية هي هدف الحرب الحقيقي، تحت ذريعة نصرة «الحكومة الشرعية». ثم برزت تغيرات إقليمية دفعتها إلى التنصّل من الاتفاق، وفي مقدمتها طوفان الأقصى عام ٢٠٢٣م في غزة، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام ٢٠٢٦م وما سبقها من اعتداءات محدودة زمنياً، إلى جانب ضرب قوى المحور في غزة ولبنان، وانخراط اليمن في المعركة وتعرّضه لقصف إسرائيلي وأمريكي وبريطاني، وخسارته قيادات عسكرية وسياسية، إذ قدّرت المملكة أن محور المقاومة يضعف، وأن صنعاء ضعفت، وأنه لم تعد هناك حاجة إلى العودة إلى الاتفاق الذي قبلته مضطرة سابقاً. وبرز متغير آخر، وهو إزاحة الإمارات والانتقالي من المشهد الميداني والسياسي في يناير ٢٠٢٦م، واستفراد السعودية بمعسكر ما تسمّى «الشرعية»، وكانت قد شكّلت قوات مرتزقة من خارج وزارة دفاع العليمي، وهي «درع الوطن» و«قوات الطوارئ». دفعتها هذه المتغيرات الإقليمية، والتحولات في جنوب اليمن وشرقه، إلى رفض العودة إلى خارطة الطريق، ودفع هذا التعثر صنعاء نحو محاولة كسر الحصار الجوي عبر طائرة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية، فقصفت المملكة مطار صنعاء في ١٣ يوليو ٢٠٢٦م، وعاد التصعيد وتدحرجت كرة النار. وتريد السعودية حلاً للحرب اليمنية السعودية الحالية يعيد اليمن إلى ما قبل ٢١ سبتمبر، أي إلى زمن الوصاية، وهو أمر غير ممكن واقعياً بعد كل هذه التحولات، فضلاً عن أن التغيرات داخل اليمن شأن داخلي لا يحق لها التدخل فيه، فالسعودية، كما يُفترض، دولة تربطها علاقة بدولة أخرى، أياً كان الوضع السياسي فيها. وما دامت الرياض متمسكة بهذه السياسة، فمن الصعب التوصل إلى سلام حقيقي قائم على قناعة بالعلاقات الندية، وحتى إذا أبرمت اتفاقاً اليوم من دون هذه القناعة، فستظل تنتظر مشكلة داخلية يمنية أو لحظة ضعف تنفذ منها إلى حرب جديدة. لذا، فمن مصلحتها أن تجعل من خارطة الطريق منطلقاً لإعادة تقويم سياستها الخارجية تجاه اليمن، على أساس القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية وعلاقات الجوار، بدلاً من حصرها في معالجة أزمة أمنية، فمستقبل السعودية القائم على تنويع قطاعات الاقتصاد يتطلب استقراراً وسلاماً راسخاً مع اليمن، واستقراراً داخل اليمن نفسه، والسلام مصلحة للجميع إذا كان الطرف السعودي صادقاً في التوجه إليه.
المصدر: 26 سبتمبر