شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

رداً على الدكتور فتحي الشبلي: الاعتمادات والأغراض الشخصية ليست سبب أزمة الدينار بل تُمثل 93% من تمويل الإن ...

رداً على الدكتور فتحي الشبلي: الاعتمادات والأغراض الشخصية ليست سبب أزمة الدينار بل تُمثل 93% من تمويل الإن ...

قرأت ما كتبه الدكتور فتحي الشبلي، رئيس تجمع الأحزاب الليبية، في صحيفة «عين ليبيا»، تحت عنوان: «حسني بي: هل أنت تتحدث عن الاقتصاد أم تدافع عن مصالح تجار الدولار والاعتمادات؟».

وأحترم حقه في الاختلاف والنقد والتساؤل عن مصالح رجال الأعمال، لكنني أرى أنه خلط بين أسباب الأزمة الاقتصادية ونتائجها، وبين الطلب المشروع على النقد الأجنبي والمضاربة والفساد، والأهم أنه أغفل خصوصية النموذج الاقتصادي الليبي، الذي لا يمكن فهم أزمة الدينار دون فهم آلية تمويل إنفاقه العام.

أولاً: خصوصية الاقتصاد الليبي: الدولة تجني الدولار وتنفق الدينار.

هذه هي الحقيقة الأساسية التي يجب أن ننطلق منها.

ليبيا دولة ريعية تعتمد في نحو 93% من إيراداتها العامة على النفط والغاز، وهي إيرادات تتحصل عليها الدولة بالدولار، بينما تدفع مرتبات موظفيها وعلاوات مواطنيها ونفقاتها التسييرية والتنموية بالدينار الليبي.

فالدولة لا تدفع المرتبات بالدولار، ولا تدفع علاوات الأسر والأطفال بالدولار، ولا تسدد معظم التزاماتها المحلية بالدولار، وإنما بالدينار.

وهنا يبرز السؤال الذي غاب عن مقال الدكتور الشبلي:

من أين تأتي الدولة بالدينارات التي تنفقها، إذا كانت إيراداتها الأساسية بالدولار؟

الإجابة أن مصرف ليبيا المركزي يحوّل الإيرادات النفطية الدولارية إلى أرصدة بالدينار لصالح الخزانة العامة، ثم يُنفق هذا الدينار في الاقتصاد المحلي.

ولكي لا تتحول هذه العملية إلى توسع نقدي دائم، ينبغي أن يقابل ضخ الدينارات امتصاصٌ مناسب لها، وأهم وسائله في النموذج الليبي بيع النقد الأجنبي للقطاع الخاص والمواطنين مقابل الدينار.

وهنا نصل إلى جوهر الخلاف.

ثانياً: أمامنا خياران أساسيان لتمويل الدينار المتداول والمحافظة على توازنه.

الخيار الأول: بيع دولارات النفط مقابل الدينارات من خلال الاعتمادات والأغراض الشخصية والتحويلات المشروعة.

فعندما يبيع المصرف المركزي الدولار للمستوردين والمواطنين، فإنه يسحب مقابله دينارات من السيولة المحلية، ويساعد بذلك على موازنة ما ضخته الخزانة العامة من نقود.

وبالتالي، فإن الاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية ليست مجرد منافذ لاستهلاك الدولار، بل تؤدي أيضاً وظيفة نقدية أساسية، وهي امتصاص الدينارات التي سبق أن دخلت الاقتصاد من خلال الإنفاق العام.

وكلما كانت هذه المبيعات كافية ومنظمة وشفافة، وبسعر صرف يعكس التوازن الاقتصادي، ساهمت في الحد من فائض السيولة والضغط على السوق الموازية.

الخيار الثاني، وهو الأخطر: تمويل الإنفاق العام بخلق دينارات إضافية دون موارد حقيقية كافية أو امتصاص نقدي مقابل.

عندما لا تتوافر الموارد الكافية، أو يعجز المصرف المركزي عن امتصاص السيولة التي يولدها الإنفاق العام، وتستمر السلطات في الإنفاق من خلال التوسع في خلق النقود، فإننا نضيف دينارات إلى الاقتصاد دون زيادة مقابلة في الإنتاج أو المعروض من السلع والخدمات أو النقد الأجنبي.

وهنا يبدأ المسار الخطير:

زيادة الإنفاق غير الممول، ثم زيادة الكتلة النقدية، ثم زيادة الطلب على الدولار والسلع، ثم اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، ثم ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار.

وإذا استمر هذا المسار دون تصحيح، فقد يقود إلى تضخم شديد وانهيار متسارع لقيمة العملة.

فدينار المرتبات، ودينار العلاوات، ودينار الإنفاق التنموي، ودينار الإنفاق التسييري، كلها دينارات واحدة في قيمتها النقدية، ولا يمكن المحافظة على قوتها الشرائية بمجرد إصدار قرار إداري يحدد سعر الدولار.

والدولة تستطيع إصدار المزيد من الدينارات، لكنها لا تستطيع إصدار المزيد من الدولارات أو السلع المستوردة بقرار منها.

ثالثاً: الطلب على الدولار نتيجة طبيعية للنموذج الاقتصادي، وليس أصل الأزمة.

يسأل الدكتور الشبلي عن الاعتمادات والأغراض الشخصية، وكأن مجرد الطلب على الدولار هو الذي أضعف الدينار.

لكن المستورد يحتاج الدولار لاستيراد الغذاء والدواء والمواد الخام والآلات، والمواطن يحتاجه للسفر والعلاج والدراسة والادخار، والدولة نفسها تحتاج إلى بيع الدولار لامتصاص الدينارات التي أنفقتها.

فهل يصبح كل هؤلاء مسؤولين عن انهيار الدينار لمجرد طلبهم النقد الأجنبي؟

المشكلة ليست في وجود الطلب، بل في عدم التوازن بين حجم الدينارات المعروضة وحجم الدولارات المتاحة، وفي السعر الذي يجري عنده تبادل العملتين.

وإذا كان الإنفاق العام يولّد طلباً على السلع المستوردة، فإن تقييد الاعتمادات والأغراض الشخصية لا يلغي هذا الطلب، وإنما قد يدفعه إلى السوق الموازية، ويزيد تكلفة الاستيراد، ويغذي التضخم.

رابعاً: من الذي يصنع أرباح تجار الدولار والاعتمادات؟

يتساءل الدكتور الشبلي عن المستفيدين من الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.

وأنا أشاركه السؤال، لكنني أضيف إليه السؤال الأهم: من الذي خلق هذه الفجوة، ومن الذي يُبقي عليها؟

عندما يبيع المصرف المركزي الدولار بسعر يقل عن سعر السوق بثلاثة دنانير، فإن بيع 20 مليار دولار بهذا الفارق يولّد ريعاً حسابياً نظرياً يبلغ 60 مليار دينار سنوياً.

وهذا لا يعني أن المبلغ كله يتحول إلى أرباح فعلية للتجار، لكنه يوضح ضخامة الامتياز الاقتصادي الذي يمكن أن ينشأ عن تعدد أسعار الصرف وتقييد الوصول إلى الدولار.

وأنا أرفض هذا الامتياز، وأرفض تزوير الاعتمادات أو استخدامها في غير أغراضها، وأطالب بالرقابة والمحاسبة دون استثناء.

لكن القضاء على الفساد لا يكون بمنع التجارة المشروعة، وإنما بإزالة الظروف التي تخلق الريع، وتوحيد سوق الصرف، وضمان المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص.

خامساً: الأرقام التي استشهد بها الدكتور الشبلي تؤكد حجتي ولا تنفيها.

ذكر الدكتور الشبلي أن إيرادات الدولة خلال سنة 2025 بلغت نحو 136.9 مليار دينار، مقابل إنفاق بلغ 136.8 ملياراً، أي إن الحسابات متوازنة تقريباً.

ثم أشار إلى أن استخدامات النقد الأجنبي بلغت نحو 31.1 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية محولة تقارب 22.1 مليار دولار، أي بفجوة تقارب 9 مليارات دولار.

وهنا أسأله:

كيف نفسر التوازن المحاسبي بالدينار في مقابل فجوة كبيرة بالدولار؟

أليس ذلك دليلاً على أن التوازن الظاهري للحسابات العامة لا يكفي للحكم على سلامة الاقتصاد؟

وهل تشمل أرقام الإنفاق المعلنة جميع التزامات الدولة، بما فيها الإنفاق الموازي ودعم المحروقات وتسويات النفط مقابل الوقود؟

إن تقييم الوضع المالي والنقدي يتطلب حساب الإنفاق العام الشامل، وليس مجرد الإنفاق المسجل في حسابات جهة واحدة، مع التمييز بين إيرادات النفط المحولة، وإجمالي التدفقات الأجنبية، واستخدامات النقد الأجنبي.

والأهم أن بيع الدولار ليس مجرد استنزاف للاحتياطيات، بل هو أيضاً وسيلة لاسترداد الدينارات التي ضُخت في الاقتصاد.

ولكن إذا تجاوزت مبيعات الدولار التدفقات الأجنبية المستدامة، فلا يمكن مواصلة ذلك إلى ما لا نهاية بالاعتماد على الاحتياطيات.

وهنا تصبح معالجة الإنفاق والإنتاج والإيرادات ضرورة لا مفر منها.

سادساً: الانقسام السياسي يفاقم الأزمة، لكنه ليس أصل جميع اختلالاتنا.

لم أقل إن الانقسام السياسي بريء من الأزمة، بل أكدت مراراً أن تعدد مراكز الإنفاق وغياب الميزانية الموحدة والرقابة الفعلية عوامل خطيرة.

لكنني قلت إن ليبيا عرفت اختلالات نقدية ومالية مشابهة منذ الثمانينيات، وفي مراحل كانت فيها الحكومة واحدة والمؤسسات موحدة.

ولا أدعي أن جميع المراحل التاريخية متطابقة، وإنما إن الآليات الاقتصادية المسببة للاختلال تكررت: إنفاق يتجاوز الموارد المستدامة، وتمويل نقدي، وضغوط على سعر الصرف، واتساع السوق الموازية.

فتوحيد الحكومة والميزانية شرط ضروري للإصلاح، لكنه ليس كافياً إذا استمرت السياسات الاقتصادية نفسها.

سابعاً: هل أدافع عن تخفيض الدينار أم عن المحافظة على قيمته؟

يقول الدكتور الشبلي إن قرارات تخفيض الدينار أضرت بالقوة الشرائية للمواطن.

وأتفق معه في أن انخفاض قيمة الدينار يرفع تكلفة الواردات ويضر بمعيشة المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول الثابتة.

لكن الخلاف بيننا هو في كيفية حماية الدينار.

هل نحميه بالإصرار على سعر رسمي لا يستطيع الجميع الحصول على الدولار بموجبه، بينما تُسعّر السلع في الواقع وفق تكلفة النقد الأجنبي المتاحة؟
أم نحميه بمعالجة الاختلالات المالية والنقدية التي تضعف قيمته، وتوحيد سوق الصرف عند مستوى قابل للاستمرار؟

أنا لا أدعو إلى تخفيض الدينار كهدف اقتصادي، وإنما أدعو إلى إزالة الأسباب التي تجعل تخفيضه يتكرر.

فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتثبيت رقم على الورق، بل بتوازن مستدام بين الإنفاق والموارد، وبين عرض الدينار والطلب عليه، وبين الطلب على الدولار والمعروض منه.

ثامناً: لا يجوز تحويل الخلاف الاقتصادي إلى تشكيك في النوايا.

من حق الدكتور الشبلي أن ينتقد رجال الأعمال وأن يسأل عن مصالحهم، ومن واجب الجهات الرقابية والقضائية التحقيق في أي مخالفات تتعلق بالاعتمادات أو النقد الأجنبي.

لكن مناقشة السياسات الاقتصادية تستوجب الرد على الحجة بالحجة، وعلى الأرقام بالأرقام، لا الإيحاء بأن كل من يدعو إلى إصلاح سوق الصرف يدافع عن تجار الدولار.

وموقفي معلن وواضح: أرفض الاحتكار والفساد والامتيازات، وأرفض تخصيص الدولار لفئات محظوظة، وأطالب بإتاحته وفق قواعد شفافة ومتساوية، مع الانضباط المالي والنقدي وحماية القوة الشرائية للمواطن.

تاسعاً: السؤال الذي أوجهه للدكتور الشبلي.

لنفترض أننا أوقفنا غداً جميع الاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية.

هل ستتوقف الدولة عن دفع المرتبات والعلاوات والنفقات التسييرية والتنموية؟

وهل ستختفي الدينارات التي ضُخت في الاقتصاد؟

وهل سيختفي طلب المواطنين والتجار على السلع المستوردة والدولار؟

بالطبع لا.

بل إن وقف هذه القنوات دون بدائل مشروعة وفعالة سيترك جزءاً أكبر من السيولة بالدينار يبحث عن الدولار خارج النظام المصرفي، مع ما يترتب على ذلك من اتساع السوق الموازية والضغط على الأسعار.

والسؤال الأهم:

إذا لم نبع دولارات النفط مقابل الدينارات، ولم نخفض الإنفاق العام إلى حدود الموارد المستدامة، فمن أين سنأتي بالدينارات اللازمة لتمويل المرتبات والعلاوات والتنمية والتسيير دون خلق نقود إضافية؟

هذه هي المعضلة الحقيقية التي يجب أن يناقشها الاقتصاديون والسياسيون.

عاشراً: ما الحل الذي أدعو إليه؟

الحل ليس في إطلاق بيع الدولار بلا حدود، ولا في تمويل الإنفاق بطباعة الدينار، ولا في استنزاف الاحتياطيات إلى ما لا نهاية.

بل في برنامج إصلاح متكامل يقوم على:

ضبط الإنفاق العام الشامل وربطه بالموارد المستدامة، ومنع التمويل النقدي غير المغطى.

توحيد الحسابات والالتزامات العامة وإخضاع جميع جهات الإنفاق للشفافية والرقابة.

بيع النقد الأجنبي عبر قنوات مصرفية شفافة وعادلة، مع العمل على توحيد سعر الصرف وإزالة الريع.

إصلاح دعم المحروقات والطاقة تدريجياً، واستبدال دعم السلعة بدعم نقدي مباشر للمواطن وفق ضوابط الاستدامة.

زيادة إنتاج النفط والغاز، وتحصيل كامل عائداتهما، وتنمية الإيرادات غير النفطية والإنتاج المحلي.

المحافظة على الاحتياطيات الأجنبية ومنع استخدامها لتمويل اختلال مالي دائم.

الخلاصة

يا دكتور فتحي الشبلي،

الدولار ليس عدواً للدينار، والاعتمادات والأغراض الشخصية ليست أصل المرض.

في النموذج الليبي، الدولة تجني الدولار من النفط والغاز، وتدفع الدينار في المرتبات والعلاوات والتنمية والتسيير.

ولكي نحافظ على قيمة هذا الدينار، علينا أن نضبط ما ننفقه، وأن نعيد امتصاص السيولة من خلال بيع النقد الأجنبي والوسائل النقدية المناسبة، دون تجاوز ما تسمح به مواردنا المستدامة.

أما إذا استمر الإنفاق دون موارد كافية، واعتمدنا على خلق المزيد من الدينارات، فإن النتيجة ليست زيادة حقيقية في ثروة المواطن، وإنما المزيد من النقود التي تتنافس على السلع والدولارات نفسها.

يمكننا طباعة دينارات للمرتبات، ودينارات للعلاوات، ودينارات للتنمية والتسيير، لكننا لا نستطيع طباعة قوة شرائية حقيقية لهذه الدينارات.

ولذلك فإن الدفاع عن المواطن لا يكون بالدفاع عن سعر صرف إداري غير قابل للاستمرار، ولا باتهام من يطالب بالإصلاح، وإنما بمعالجة أصل الاختلال.

أصل الأزمة ليس أن الليبيين يطلبون الدولار، بل أن الدولة تضخ دينارات تفوق أحياناً ما تستطيع موارد الاقتصاد وإنتاجيته وتدفقاته الأجنبية استيعابه بصورة مستدامة.

والاقتصاد لا يعترف بحسن النوايا ولا بالشعارات السياسية، وإنما بالتوازن بين الموارد والالتزامات.

فلنعالج الأسباب قبل أن نحاكم النتائج، ولنحمِ قيمة الدينار لا مجرد رقمه الرسمي.

The post رداً على الدكتور فتحي الشبلي: الاعتمادات والأغراض الشخصية ليست سبب أزمة الدينار بل تُمثل 93% من تمويل الإنفاق العام appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

المصدر: عين ليبيا