شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على تماسكها؟ 109 أعوام بين وعد بلفور والسابع من أكتوبر

هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على تماسكها؟ 109 أعوام بين وعد بلفور والسابع من أكتوبر

قراءة في الفارق بين وحدة الجهود التي مهّدت لقيام المشروع الصهيوني، والأزمات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي تواجه دولة الاحتلال بعد السابع من أكتوبر، وما تثيره من تساؤلات حول مستقبلها وتماسكها. لم يكن وعد بلفور، الصادر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، وليد المصادفة، ولا مجرد هدية سياسية قدمتها بريطانيا للحركة الصهيونية، بل جاء ثمرة جهود سياسية ودبلوماسية منظمة، قادها مؤسسو المشروع الصهيوني، الذين أدركوا أهمية تقديم الهدف الاستراتيجي على المصالح الشخصية والحزبية والخلافات التنظيمية. امتلك ذلك الجيل رؤية واضحة، وعمل على حشد الإمكانات السياسية والمالية والدبلوماسية، مستثمرًا التحولات والظروف الدولية لتحقيق غايته، حتى نجح في انتزاع الاعتراف البريطاني الذي شكّل محطة تأسيسية في مسار إقامة دولة الاحتلال. وبعد 109 أعوام، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد. فالدولة التي قامت على فكرة المشروع الجامع، تجد نفسها اليوم أمام أزمات متراكمة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، وتمتد إلى بنية الدولة ومؤسساتها ومجتمعها، لتطرح تساؤلات بشأن قدرتها على الحفاظ على تماسكها واستقرارها. ويشكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 محطة مفصلية في تاريخ دولة الاحتلال الحديث؛ إذ لم يقتصر تأثيره على المفاجأة العسكرية واختراق المنظومة الأمنية، بل امتد إلى إحداث صدمة عميقة في الوعي الإسرائيلي، وضرب صورة التفوق الاستخباراتي والردع التي شكّلت طويلًا إحدى ركائز الثقة بالدولة ومؤسساتها. وكشف ذلك اليوم عن إخفاقات أمنية واستخباراتية وعسكرية، وفتح الباب أمام مساءلة القيادة السياسية والعسكرية، وأعاد طرح أسئلة جوهرية بشأن مفهوم الأمن الإسرائيلي وجدوى السياسات التي حكمت التعامل مع قطاع غزة والقضية الفلسطينية. ولم تتوقف التداعيات عند حدود الإخفاق الأول؛ فالحرب الطويلة على غزة، وما رافقها من خسائر بشرية وعسكرية ودمار واسع، وضعت المجتمع الإسرائيلي أمام ضغوط متزايدة، وعمّقت الخلافات بشأن إدارة الحرب وأولويات القيادة وملف الأسرى واليوم التالي للحرب، فضلًا عن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين. كما أعادت هذه التطورات التصدعات السياسية والاجتماعية داخل دولة الاحتلال إلى الواجهة، ووسّعت فجوة الثقة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة، وأظهرت صعوبة التوصل إلى توافق داخلي بشأن القضايا المصيرية، في مرحلة تتطلب قرارات استراتيجية كبرى. وهنا تبرز المفارقة التاريخية؛ فالجيل الذي عمل على تأسيس المشروع الصهيوني استطاع، رغم اختلافاته، تقديم الهدف الاستراتيجي على الاعتبارات الحزبية والشخصية، في حين تواجه القيادات الإسرائيلية الحالية صعوبات في إدارة خلافاتها الداخلية وتوحيد رؤيتها بشأن تشكيل الحكومة ومستقبل الدولة. ولا تقتصر أزمة دولة الاحتلال اليوم على أزمة حكومية أو إخفاق عسكري عابر، بل تتداخل فيها أبعاد أمنية وسياسية واجتماعية واستراتيجية، وتتقاطع تداعيات السابع من أكتوبر مع تناقضات داخلية متراكمة وتحديات إقليمية ودولية. ولا يعني ذلك أن انهيار الدولة أصبح نتيجة حتمية، أو أن زوالها بات وشيكًا؛ فالدول لا تسقط بالضرورة نتيجة صدمة واحدة، كما أن ما تمتلكه دولة الاحتلال من قدرات عسكرية واقتصادية وتحالفات دولية يمثل عناصر قوة لا يمكن تجاهلها. غير أن استمرار الأزمات وتراكمها قد ينعكسان على قدرتها على إدارة الصراعات، واتخاذ القرارات، والحفاظ على تماسك مؤسساتها ومجتمعها. لقد أعاد السابع من أكتوبر طرح سؤال ظل حاضرًا في خلفية الحسابات الإسرائيلية: هل تستطيع دولة أن تضمن أمنها واستقرارها إلى ما لا نهاية بالاعتماد على التفوق العسكري، بينما تبقى جذور الصراع مع الشعب الفلسطيني قائمة؟ وبين وعد بلفور وتداعيات السابع من أكتوبر، تمتد مسافة 109 أعوام؛ بدأت بمشروع استطاع مؤسسوه توحيد جهودهم لتحقيق هدف التأسيس، ووصلت إلى دولة تواجه اختبارًا مركبًا يتعلق بقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية والحفاظ على تماسكها. فإذا كان جيل المؤسسين قد نجح في الدفع بمشروعه عبر تقديمه على خلافاته، فكيف ستتعامل القيادات الحالية مع خلافات باتت تتشابك مع أسئلة الحكم والأمن ومستقبل الدولة؟ ذلك هو السؤال الذي أعاد السابع من أكتوبر طرحه، لا باعتباره حدثًا عسكريًا عابرًا، بل محطة كشفت إخفاقات وتصدعات، وفتحت النقاش مجددًا حول مستقبل دولة قامت قبل أكثر من سبعة عقود، بعد عقود من العمل السياسي والتنظيمي الذي سبق وعد بلفور ومهّد له.

المصدر: وكالة القدس