قراءة قانونية في قرار وزير الاقتصاد بشأن تمويل الاستيراد من السوق الموازي
يطرح قرار وزير الاقتصاد والتجارة رقم (555) لسنة 2026، المعنون بـ*(بشأن تنظيم الاستيراد من السوق الموازي للعملة الأجنبية)*، إشكالًا يتعلق بحدود الاختصاص واتساق القرار العام. فهو يسمح مؤقتًا بتمويل الاستيراد من السوق الموازي حتى 31 مارس 2027، مع استبعاد سلع غذائية محددة والأدوية، وإجازة الاستثناء للضرورة القصوى. والحاجة إلى تيسير التجارة معتبرة، لكن تلبيتها تقتضي مسارًا ينسجم مع التشريعات المنظمة للتمويل والدفع.
ويبدأ التقييم من قانون النشاط التجاري رقم (23) لسنة 2010، الذي استند إليه القرار نفسه. فالمادة (1191) تمنح سلطة تنظيم الاستيراد وتقييده والاستثناء من قوائمه، بينما توجب المادة (1201) إجراء مدفوعات الاستيراد والتصدير بالطرق المصرفية المعتمدة. والجمع بين الحكمين يقتضي ممارسة سلطة تنظيم دخول السلع مع احترام طريقة سداد قيمتها؛ فالاستثناء من قائمة سلعية لا يجيز، بمجرده، الاستثناء من التزام تشريعي يتعلق بالدفع.
ويتصل بذلك قانون المصارف رقم (1) لسنة 2005 وتعديله بالقانون رقم (46) لسنة 2012؛ إذ تخضع مزاولة الصرافة لإذن مصرف ليبيا المركزي، ويجري التعامل بالنقد الأجنبي عبر المصارف والجهات المرخصة منه. ومن ثم يجب التمييز بين ملكية الشخص للعملة الأجنبية، ومشروعية الحصول عليها، والجهة التي تنفذ التعامل والتحويل. ووصف السوق بالموازي لا يحسم وحده حكم كل معاملة؛ العبرة بمصدر العملة وصفة الوسيط ومسار الدفع.
وعلى هذا الأساس، يحتاج عنوان القرار إلى تصحيح دلالته؛ فالسلع لا تُستورد من سوق العملة، وإنما يُموّل استيرادها بعملة يتم الحصول عليها منها. وكان الأجدر، إذا كان المقصود تيسير استخدام الموارد الخاصة داخل الإطار القانوني، أن يكون العنوان: (بشأن تنظيم تمويل الواردات من موارد النقد الأجنبي الخاصة المشروعة عبر القنوات المصرفية المعتمدة). وهذه الصياغة تقتضي تعديل الأحكام بما يوافق مضمونها؛ فتصحيح العنوان وحده لا يعالج التعارض الموضوعي.
أما الديباجة فتجمع مراجع دستورية وسياسية وقرارات تتعلق بالهيكل التنظيمي والتكليف بمهام والتنظيم الداخلي. وهذه المراجع تتفاوت في وظيفتها؛ فسند تولي المنصب وتنظيم الوزارة يختلف عن سند الاختصاص في النقد والصرف. كما أن عبارة المصلحة العامة تبين الغاية ولا تنشئ بذاتها سلطة لاستثناء التعامل من حكم قانوني. والمطلوب تحديد النص الذي يخول الإجراء، وبيان الصلة بين المشكلة المراد علاجها والوسيلة المختارة.
وتزداد أهمية ذلك مع غياب الإحالة الصريحة إلى قانون المصارف وضوابط المركزي. وهذا الغياب لا يبطل القرار تلقائيًا، كما لا يثبت غياب التنسيق؛ لكنه يجعل اتساق أحكامه مع التنظيم النقدي مسألة أساسية. فالقواعد الواجبة التطبيق تظل ملزمة ولو لم تذكرها الديباجة، ولا يمكن تجاوزها بالإحالة العامة إلى اختصاصات الوزارة.
وتكشف المادة الأولى موضع الغموض؛ فهي تسمح باستخدام السوق الموازي، ثم تشترط الالتزام بالضوابط والإجراءات القانونية والتنظيمية المعمول بها. فإن كان المقصود استخدام موارد مشروعة وتنفيذ المدفوعات عبر القنوات المعتمدة، وجب تحديد ذلك وآلية إثباته. أما إذا فُهم السماح بأنه يبيح التعامل مع غير المرخصين أو تجاوز طرق الدفع الملزمة، فإنه يثير شبهة جدية في مخالفة القانون وتجاوز الاختصاص. وبهذه الصياغة يبقى المستورد والموظف أمام عبء التوفيق بين السماح وقيده.
لذلك يمكن وصف القرار بأنه اعتراف إداري صريح بالسوق الموازي بوصفه مصدرًا لتمويل الواردات، لكنه لا يمنح بذاته ترخيصًا للصرافة غير المرخصة أو حصانة من المساءلة عن مخالفة مستقلة. وفي المقابل، تظل له آثار محتملة في الإفراج الجمركي وسلوك المستوردين والطلب على العملة. فعدم قدرته على تعديل القانون لا يعني انعدام أثره العملي.
وتبرز الحاجة إلى وضوح السياسة عند مقارنته بالقرار السابق رقم (449) لسنة 2026، الذي قرر حظر التوريد التجاري خارج القنوات المصرفية ابتداءً من 30 سبتمبر، مع استثناءات وضوابط. كان ينبغي بيان علاقة السماح الجديد بذلك التنظيم: هل يعدله جزئيًا أم ينشئ استثناءً مؤقتًا منه، وما حدود هذا الاستثناء؟ وأيًا كانت العلاقة بين القرارين، فإن تعديل قاعدة وزارية سابقة لا يجيز مخالفة التزام يفرضه القانون.
أما المادة الثانية، فحظرها يتعلق باستخدام قناة التمويل المذكورة لسلع معينة، وليس بمنع استيرادها بجميع الوسائل. ويحتاج التنفيذ إلى تحديد فني للأصناف وتوحيد تصنيفها عبر المنافذ؛ منعًا لاختلاف المعاملة أو التحايل. والأهم أن يواكب تقييد هذه القناة للغذاء والدواء مسار تمويل مشروع يستطيع المستورد استخدامه في الوقت المناسب.
ويحتاج الاستثناء للضرورة القصوى إلى معايير معلنة وإجراءات قابلة للرقابة، كإثبات عجز المخزون أو حاجة صحية عاجلة أو تعذر التمويل النظامي خلال مدة محددة. وينبغي ربط الإذن بالمستورد والمورد والشحنة والقيمة وطريقة الدفع ومدة الصلاحية. كما يلزم بيان سند توزيع إصدار الاستثناء بين وزيري الاقتصاد والصحة؛ فالموافقة الصحية على السلعة تختلف عن الإذن المتعلق بتمويلها. وفي جميع الأحوال، لا تستمد مخالفة التشريع مشروعيتها من مجرد وصف الحالة بالضرورة.
وتحفظ المادة الثالثة بقية الموافقات والاشتراطات، وهو قيد مهم، لكنها تحتاج إلى ضبط نطاق الإذن الاستثنائي حتى ينصرف إلى الحظر المحدد بالمادة الثانية، ولا يُفهم أنه يصحح أي مخالفة أخرى. كما أن تكليف الجهات بالامتناع عن استكمال الإجراءات أو الإفراج يستلزم مستندات تحقق موحدة، وآلية لاعتماد الأذونات وربطها بالفواتير والبيانات الجمركية.
وتترك الأحكام الزمنية مسألة مؤثرة دون تحديد: ما الإجراء الذي يجب إنجازه قبل 31 مارس 2027 للاستفادة من السماح؛ التعاقد أم الشحن أم الوصول أم الإفراج؟ ويتصل بذلك تنظيم الشحنات القائمة عند صدور القرار أو انتهاء مدته، وإعلان القواعد الجديدة للمخاطبين بها. فوضوح هذه الأحكام يحمي استقرار المعاملات ويقلل اختلاف التطبيق بين المنافذ.
اقتصاديًا، قد يساعد السماح في معالجة اختناقات التوريد وتحسين المعروض، لكنه قد يدفع أيضًا بطلب إضافي على العملة إلى السوق غير المرخصة، وينقل كلفة التمويل إلى المستهلك. ويتوقف الأثر على حجم العمليات الجديدة ومصادر العملة والمنافسة، خصوصًا إذا كانت تجارة قائمة تُموّل أصلًا من السوق الموازي. لذلك لا يثبت القرار بذاته انخفاض الأسعار أو توفير النقد الأجنبي على الدولة؛ فكلاهما يحتاج إلى قياس وتتبع.
وتكشف هذه الإشكالات عن ضعف في تماسك المعالجة المؤسسية: تقرر السياسة التجارية سماحًا لا يوضح النص كيف يتوافق تنفيذه مع التنظيم النقدي. ولا يتطلب نقد هذا الوضع الجزم بأن كل جهة تصرفت منفردة؛ فالمعيار هو قدرة مؤسسات الدولة على تقديم إجراء موحد وواضح، يستطيع المستورد اتباعه وتستطيع الجهات المختصة مراقبته.
وكان يمكن بناء المعالجة بتحديد وزارة الاقتصاد الاحتياجات والعوائق، واعتماد المركزي مسارات التمويل والتحويل المشروعة، وتوحيد الجمارك إجراءات التحقق، مع ممارسة ديوان المحاسبة وسائر الجهات الرقابية اختصاصاتها. ويستكمل ذلك بآجال للبت في الطلبات، وأسباب مكتوبة للرفض، وطريق للتظلم. والتنسيق يحقق تكامل الاختصاصات، لكنه لا يحل محل السند القانوني ولا يصحح مخالفة التشريع.
وقد أصدر المركزي خلال 2026 منشورًا بشأن قبول الإيداعات والحوالات الواردة بالعملة الأجنبية، وآخر بشأن الحوالات المباشرة لصغار التجار والحرفيين والشركات الصغرى. وهذه المسارات تستدعي تقييم كفايتها وسرعتها وعدالة الوصول إليها، وتطويرها لاستيعاب الموارد الخاصة المشروعة ضمن الرقابة. فوجود قواعد مكتوبة لا يكفي ما لم تتحول إلى خدمة متاحة وقابلة للتنفيذ.
إن سلطة الوزير في مواجهة اختناقات السوق تظل محكومة بحدود الاختصاص وتدرج القواعد القانونية. ويجوز له استعمال الاستثناء الذي أجازه القانون وفي نطاقه، لكنه لا يملك إنشاء استثناء يعطل حكمًا تشريعيًا صريحًا. وإذا أفضى القرار إلى تجاوز هذه الحدود، قامت أسباب جدية للطعن فيه وفق قواعد القضاء الإداري. والمطلوب مراجعة تضبط مصدر التمويل وقناة الدفع وتصل بين الاختصاصات، أو اقتراح تعديل تشريعي عبر الجهة المختصة إذا تعذر الحل داخل الإطار القائم؛ بما ييسر التجارة ويحفظ وحدة التنظيم القانوني.
The post قراءة قانونية في قرار وزير الاقتصاد بشأن تمويل الاستيراد من السوق الموازي appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
المصدر: عين ليبيا