تأمين الرواتب وإطلاق "صندوق الأجيال".. بين ضمان الالتزامات وبناء الثروة السيادية
بغداد/أحمد كوكب
تتجه الحكومة العراقية إلى طرح مسارين متوازيين في سياستها المالية، يتمثل الأول بتأمين رواتب الموظفين لعام 2027 في ظل تقلبات أسواق الطاقة والتوترات الإقليمية، فيما يرتبط الثاني بتأسيس "صندوق الأجيال" وتحويل الأصول العامة إلى استثمارات طويلة الأمد، بهدف تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وبناء موارد تخدم الأجيال المقبلة. وتتطلب الخطوتان موارد مستدامة وإدارة واضحة ورقابة مستقلة.
وقال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن تأكيد تأمين رواتب الموظفين لعام 2027 بالتزامن مع التوجه إلى تأسيس صندوق الأجيال يعكس رؤية تستهدف تعزيز الاستقرار المالي وتنويع مصادر الدخل، بدلاً من استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها. وأوضح صالح، في حديث لـ(المدى)، أن الخطوة تجمع بين ضمان الالتزامات المالية للدولة، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، وبين إنشاء احتياطي استثماري طويل الأمد يحافظ على ثروات العراق وينميها لمصلحة الأجيال المقبلة.
وأضاف أن تخصيص 1.5 تريليون دينار للصندوق، إلى جانب الاستفادة من العقارات والأراضي والأصول الحكومية والأموال المستردة، يمثل بداية لتحويل جزء من ممتلكات الدولة إلى موارد اقتصادية منتجة تحقق عوائد مستدامة. وشدد على أهمية الإدارة الاستثمارية المهنية والشفافية والتدقيق المستقل، ونشر بيانات منتظمة بشأن حجم الأصول والعوائد المتحققة.
وفي ما يتعلق برواتب 2027، أشار صالح إلى أن إعلان تأمينها يعزز الثقة والاستقرار لدى الموظفين والأسر العراقية، مع التحديات الإقليمية. لكنه أكد أهمية استناد هذه الضمانات إلى إدارة حصيفة للسيولة والإيرادات وتنويع مصادر التمويل، مؤكداً حاجة العراق إلى اقتصاد يمول التزاماته ويدخر للمستقبل. وعدّ الصندوق فرصة استراتيجية يمكن أن تشكل نواة لصندوق سيادي عراقي، يسهم في تنويع الاقتصاد وتعظيم الثروة الوطنية وتحقيق العدالة بين الأجيال، شرط إدارته مؤسسياً واستثمارياً، وبما يضمن توجيه موارده نحو استثمارات طويلة الأمد تحقق عوائد قابلة للاستمرار. من جانبه، يرى المتخصص بالشأن الاقتصادي والمالي، جليل اللامي، أن إنشاء الصندوق خطوة مهمة لحماية الثروة الوطنية من الاستنزاف، خصوصاً أن النفط يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية في السنوات الاعتيادية، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025، ويربط مستقبل الأجيال بتقلبات الأسواق.
وقال اللامي لـ(المدى) إن تخصيص 1.5 تريليون دينار يمثل بداية إيجابية، لكنه محدود قياساً بإنفاق حكومي يتجاوز 160 تريليون دينار سنوياً. وأوضح أن نجاح الصندوق يحتاج إلى تخصيص نسبة ثابتة من الفوائض النفطية واستثمارها في أصول تحقق عوائد مستدامة، مبيناً أن وصول موجوداته مستقبلاً إلى 20 تريليون دينار وتحقيق عائد سنوي بنسبة 5% قد يوفر نحو تريليون دينار سنوياً.
ولفت إلى أن نقل العقارات والأراضي والأصول الحكومية إلى الصندوق لا يزيد ثروة الدولة بحد ذاته، بل يعيد تنظيم ملكيتها وإدارتها، فيما تتحقق الفائدة عندما تتحول تلك الأصول إلى استثمارات منتجة تدر إيرادات إضافية.
وأكد اللامي أن تقييم أداء الصندوق ينبغي أن يستند إلى نمو صافي أصوله والأرباح الفعلية ومعدلات العائد مقارنة بالمخاطر، مع استقلال إدارته وخضوعها للرقابة والتدقيق المستقل، ومنع استخدام أمواله لتمويل النفقات التشغيلية اليومية. ونشر تقارير دورية تتيح متابعة قراراته الاستثمارية ونتائجها ومدى التزامها بأهداف الصندوق.
أما بشأن الرواتب، فيرى اللامي أن تأمينها لعام 2027 ممكن مالياً، لكنه لا يمثل ضماناً مطلقاً مع استمرار الاعتماد الكبير على النفط. وذكر أن تخصيصات الرواتب قد تصل إلى 100 تريليون دينار سنوياً، أي نحو 8.3 تريليون دينار شهرياً.
وحذر من تراجع الإيرادات العامة في الأشهر السبعة الأولى من 2026 إلى 39.1 تريليون دينار، مقابل نحو 72 تريليون دينار في الفترة نفسها من عام 2025، بانخفاض يقارب 45.7%. كما تراجعت الإيرادات النفطية من 65 تريليون دينار إلى 30.4 تريليون دينار، وفق الأرقام التي أوردها.
واعتبر أن هذه المؤشرات تجعل تأمين الرواتب مرتبطاً باستقرار الصادرات النفطية وتحسن الإيرادات وضبط التعيينات الجديدة وتقليص الإنفاق غير الضروري وتعظيم الإيرادات الضريبية والكمركية، وإعداد احتياطي يغطي رواتب أشهر خلال الأزمات. وأضاف أن ضمان رواتب سنة واحدة لا يكفي للحكم على سلامة الوضع المالي، مع تجنب الاقتراض واستنزاف الاحتياطيات لتمويل الأجور والخدمات.
ودعا اللامي الحكومة إلى تقديم خطة تمويل واضحة لعام 2027، تتضمن الإيرادات النفطية المتوقعة والسيولة المتاحة ومصادر تغطية العجز، مؤكداً ضرورة أن يكون صندوق الأجيال ضمانة للمستقبل، لا وسيلة لمعالجة العجز المالي الراهن.
بدوره، قال الباحث بالشأن الاقتصادي، حيدر الشيخ، إن صندوق الأجيال ليس مقترحاً جديداً، بل مشروع حكومي سابق لم ينفذ خلال السنوات الماضية بسبب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية. وأشار إلى أن هذا النوع من الصناديق معمول به في دول مجاورة، ويهدف إلى ادخار جزء من إيرادات النفط واستثمارها للأجيال القادمة.
وأوضح الشيخ، في حديث لـ(المدى)، أن إنشاء الصندوق لا يؤثر سلباً في الإيرادات النفطية أو غير النفطية ولا ينعكس على حركة الموازنة العامة، لأن الآلية المقترحة تقوم على استقطاع مبلغ يتراوح بين 50 سنتاً ودولار واحد عن كل برميل نفط مصدر، ثم إيداعه في الصندوق لاستثماره مستقبلاً.
وأكد أن نجاح المشروع يتوقف على قدرة الحكومة على تنفيذه وإدارته بحصافة، مشيراً إلى أنه يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية، ويوفر فرص عمل ويشغل الأيدي العاملة، فضلاً عن إيجاد مصادر إيراد مستدامة على المدى البعيد.
وتأتي هذه الطروحات بالتزامن مع تصريحات رسمية بشأن استقرار المالية العامة. فقد أكد نائب رئيس الوزراء ورئيس المجلس الوزاري الاقتصادي، محمد تميم، في حديث متلفز تابعته (المدى)، عدم وجود احتمالية لتأخير رواتب الموظفين بما فيها إغلاق مضيق هرمز أو تصاعد التوترات الإقليمية.
وطمأن تميم الموظفين بأن رواتب عام 2027 مؤمنة بالكامل ضمن الجداول والمخصصات المعتمدة، كاشفاً عن إدراج "صندوق العراق للتنمية الخارجية" ضمن أصول وموارد صندوق الأجيال. وأضاف أن الدراسات التشغيلية تظهر تحقيق الصندوق استثمارات رابحة وملموسة خلال سنتين من انطلاقه، وأن المرحلة المقبلة ستشهد نقل أصول وممتلكات ومبالغ مالية كبيرة إليه لتعزيز رأسماله.
The post تأمين الرواتب وإطلاق "صندوق الأجيال".. بين ضمان الالتزامات وبناء الثروة السيادية appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى