شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

المغرب أقوى اليوم بمراحل!

المغرب أقوى اليوم بمراحل!

لفهم الحاضر، لا بد من العودة قليلا إلى التاريخ. خرج المغرب من الاستعمار منهك القوى، مطالبا ببناء دولة عصرية، فيما كانت إمكاناته محدودة والتحديات أمامه هائلة. ولم يكن ملف استكمال وحدته الترابية قد أُغلق؛ فقد كان عليه استرجاع ما أصبح يعرف بموريتانيا والصحراء الشرقية والغربية، فضلا عن سبتة ومليلية والجزر المحتلة. كان عليه أن يبني مؤسسات الدولة، ويواجه إرث الاستعمار، ويدافع عن مطالبه الترابية، في الوقت نفسه.

وفي هذه المرحلة الحساسة، دخلت البلاد في صراع داخلي محموم بين تيارات سياسية والمؤسسة الملكية حول شكل الحكم وتوزيع السلطة. وهذه التيارات، التي كثيرا ما يُشاد بوطنيتها ونضالها، ارتكبت، في تقديري، أخطاء قاتلة في التدبير والتقدير السياسيين للمرحلة، بصرف النظر عن النوايا. ففي الوقت الذي كان المغرب يحتاج فيه إلى كتلة داخلية متماسكة لمواجهة التحديات الجسام، دخلت في صراع شديد مع قائد البلاد، واستُنزفت طاقات كان البلد في أمسّ الحاجة إليها. وأرى أن هذا الصراع كان من الأسباب التي أسهمت في خسارة موريتانيا والصحراء الشرقية وتعطيل مسار التنمية. فالدولة التي تواجه انقساما داخليا حادا تجد نفسها مضطرة إلى توزيع جهودها ومواردها بين حماية استقرارها ومواجهة الضغوط الخارجية، وتتراجع قدرتها على المبادرة والدفاع عن مطالبها. والإشادة بوطنية الفاعلين السياسيين لا ينبغي أن تمنع مساءلة اختياراتهم ونتائجها.

واستمرت هذه الصراعات، بأشكال ودرجات مختلفة، حتى التسعينيات. وتخللت تلك المرحلة انتفاضات وأحداث دامية، من بينها انتفاضة مارس 1965، ثم محاولتا الانقلاب عامي 1971 و1972. ولم تكن هذه أحداثا عابرة في حياة دولة حديثة الاستقلال؛ فقد هددت استقرارها وعمّقت انعدام الثقة داخلها.

وفي خضم هذه الظروف، خاض المغرب حربا ضروسا ضد البوليساريو، من منتصف السبعينيات إلى وقف إطلاق النار عام 1991. وكانت الجبهة تتلقى دعم الجزائر، ودعم ليبيا خلال مراحل من النزاع، فقد أتاحت عائدات النفط والغاز للدولتين إمكانات مالية وتسليحية كبيرة لم تكن متاحة للمغرب.

وبينما كان يتحمل كلفة الحرب، كان المغرب يعاني واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية منذ الاستقلال. فقد اجتمعت عليه المديونية والجفاف وضيق الموارد، واضطر إلى تطبيق برنامج التقويم الهيكلي عام 1983، بما ترتب عليه من كلفة اجتماعية ثقيلة. وشهدت البلاد ثلاث انتفاضات شعبية كبرى، أعوام 1981 و1984 و1990، والحرب لا تزال مستمرة. كان يقاتل على الجبهة، ويواجه الأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي في الداخل.

وعلى المستوى الدولي، لم يكن المغرب يستطيع الاعتماد على حلفائه بالقدر الذي تقتضيه حاجاته إلى السلاح والمساعدة. صحيح أنه تلقى دعما خارجيا، لكن هذا الدعم ظل خاضعا لحسابات الشركاء وقيودهم السياسية؛ فالولايات المتحدة، مثلا، كانت تقيّد استخدام أسلحتها في الصحراء قبل تغيير سياستها عام 1979، ثم توسيع دعمها العسكري في عهد ريغان. وكانت إمكانات الجيش في التسليح والتدريب أكثر تواضعا بكثير مما أصبحت عليه لاحقا.

ومع ذلك، استطاع المغرب كسب رهان الصمود، والحفاظ على وجوده في صحرائه، ومنع خصومه من فرض الحسم العسكري الذي راهنوا عليه.

اليوم، تغيرت هذه المعطيات تغيرا جذريا. أصبح للمغرب تحالفات قوية وشراكات مع دول يمكن الاعتماد عليها، وجبهة داخلية متماسكة ومجندة وراء قائد البلاد، واستقرار وسلم اجتماعي، واقتصاد متنوع وصحي – رغم الصعوبات – وقدرات عسكرية أرى أنها تمنحه تفوقا نوعيا في المنطقة. والمسافة بين إمكانات المغرب خلال سنوات الحرب وإمكاناته اليوم كبيرة جدة في التجهيز والتدريب والخبرة والقدرة على التحمل.

كما تغير موقع قضية الصحراء داخل الأمم المتحدة وفي مواقف الدول المؤثرة مقارنة بما كان عليه في السبعينيات والثمانينيات. فهناك اليوم اعتراف أمريكي بالسيادة المغربية، وموقف فرنسي يعتبر حاضر الصحراء ومستقبلها في إطار هذه السيادة، ودعم بريطاني وإسباني لمقترح الحكم الذاتي. وفي مجلس الأمن نفسه، أصبح المقترح المغربي أساسا للتفاوض بموجب القرار 2797 الصادر عام 2025. وهذه تحولات تمنح المغرب سندا دبلوماسيا وسياسيا أكبر بكثير مما كان متاحا له خلال العقود السابقة.

وللمغرب أيضا جدار دفاعي، بدأ تشييده خلال الثمانينيات، وأسهم في تغيير موازين الحرب وتثبيت السيطرة الميدانية والحد من قدرة البوليساريو على الاختراق. وقد تعززت هذه المنظومة مع تراكم الخبرة وتطور وسائل المراقبة والاستطلاع والتسليح. لذلك، فإن الواقع العسكري الحالي يختلف بمراحل عن واقع بدايات الحرب.

وفوق ذلك، أصبح المغرب فاعلا إقليميا ودوليا وازنا، يمتلك قدرة أكبر على المبادرة والتأثير، وتتداخل مصالحه وشراكاته مع مصالح قوى دولية مؤثرة. وهذا الوزن يضاف إلى عناصر قوته الداخلية، ويمنحه مجالا أوسع للدفاع عن مصالحه وحشد الدعم لمواقفه.

من هنا، فإن تقدير قدرة المغرب اليوم يقتضي استحضار الظروف التي صمد فيها بالأمس. فقد حافظ على موقعه حين كانت موارده محدودة جدا، وانقساماته عميقة، والضغوط عليه أشد، والسند الدولي لمواقفه أضعف. وهو يمتلك اليوم وسائل أوسع، وخبرة أكبر، وموقعا أقوى لحماية مكتسباته وتعزيزها.

The post المغرب أقوى اليوم بمراحل! appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس