ترامب أمام كونغرس ديمقراطي: من يملك قرار الاقتصاد والحرب؟
م. سعيد المصري إذا حصد الحزب الديمقراطي أغلبية مجلسَي النواب والشيوخ، فإن الولايات المتحدة ستدخل مرحلة جديدة من تقاسم السلطة والصراع على توجيه السياسات. سيبقى دونالد ترامب في البيت الأبيض محتفظاً بصلاحياته الرئاسية، لكنه سيواجه كونغرساً معارضاً يملك أدوات التشريع والتمويل والمساءلة. والسؤال عندئذ هو: إلى أي مدى يستطيع مواصلة خططه الاقتصادية، وإدارة المواجهة مع إيران، والتأثير في مسار الحرب الروسية الأوكرانية؟يقوم النظام الأميركي على فصل السلطات، ولذلك لا تعني خسارة الحزب الحاكم أغلبية الكونغرس سقوط الرئيس أو انتهاء برنامجه تلقائياً. لكنها تغيّر شروط ممارسة السلطة، وتجعل تنفيذ السياسات التي تحتاج إلى قوانين جديدة أو اعتمادات إضافية رهناً بالتفاوض مع المعارضة. ويبدأ الأثر المؤسسي لهذه التحولات مع بدء ولاية الكونغرس الجديد في الثالث من يناير 2027، فيما قد يظهر أثرها السياسي منذ إعلان النتائج.في الاقتصاد، ستكون قدرة الديمقراطيين على تعطيل أجندة ترامب واضحة في ملفات الضرائب والإنفاق والبرامج التي تتطلب موافقة تشريعية. فالتخفيضات الضريبية الجديدة، والمشاريع الكبرى، وإعادة توجيه الموارد العامة، ستصبح موضوعاً للمساومة داخل الكونغرس وبين قيادته والبيت الأبيض. أما القوانين النافذة والاعتمادات التي سبق إقرارها، فلن تزول لمجرد انتقال الأغلبية إلى الحزب الآخر.وسيحتفظ ترامب بهامش للتحرك عبر القرارات التنفيذية والإجراءات التنظيمية، ضمن حدود القانون ورقابة القضاء. وينطبق ذلك أيضاً على السياسة التجارية؛ فالصلاحيات الرئاسية المتعلقة بالتعريفات الجمركية تستند إلى تفويضات تشريعية محددة، ولا تنتهي تلقائياً بتغير الأغلبية. غير أن محاولة توسيع استخدامها قد تواجه مقاومة تشريعية ورقابية متزايدة.وبذلك، قد ينتقل مركز الثقل في السياسة الاقتصادية من إطلاق مبادرات واسعة إلى الدفاع عن السياسات القائمة، والتفاوض على الموازنة، وتوظيف ما تتيحه السلطة التنفيذية من أدوات. وسيكون التعطيل المتبادل احتمالاً قائماً عندما يعجز الطرفان عن الاتفاق، خصوصاً إذا تحولت ملفات الإنفاق إلى معارك سياسية تسبق الانتخابات الرئاسية التالية.أما في المواجهة مع إيران، فإن العلاقة بين الرئيس والكونغرس أكثر تعقيداً. فترامب يبقى القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتولى إدارة العمليات العسكرية، بينما يملك الكونغرس سلطات الإذن باستخدام القوة وتخصيص الأموال ومراقبة أداء الإدارة. ولا تمنح صفة القائد الأعلى الرئيس تفويضاً غير محدود لخوض حرب طويلة بمعزل عن السلطة التشريعية، رغم استمرار الخلاف بين المؤسستين بشأن حدود الصلاحيات وتطبيقها.ستكون الأداة الأشد تأثيراً بيد أغلبية ديمقراطية هي التمويل: رفض اعتمادات إضافية، أو السعي إلى تقييد استخدام الأموال في عمليات محددة، أو ربط استمرار الإنفاق بتقديم استراتيجية واضحة وأهداف قابلة للتحقق. وستتيح السيطرة على اللجان البرلمانية استدعاء المسؤولين ومساءلتهم عن كلفة الحرب، ومبررات استمرارها، ومخاطر توسيعها على القوات الأميركية وحلفاء واشنطن.لكن هذه الأدوات لا تعني أن الكونغرس يستطيع منع كل تحرك عسكري فوراً. فقد تتيح الأموال المتوافرة والصلاحيات التي تتمسك بها الإدارة هامشاً لعمليات عاجلة، بينما يستغرق بناء القيود التشريعية والمالية وقتاً وتوافقات. لذلك، فإن فوز الديمقراطيين يمكن أن يجعل استمرار الحرب وتوسيعها أكثر صعوبة، لكنه لا يوفر وحده ضمانة لوقف التصعيد.وفي الحرب الروسية الأوكرانية، يتمحور الصراع داخل واشنطن حول المساعدات لكييف، والعقوبات على موسكو، وشروط الدعم الأميركي لأي مسار تفاوضي. وقد تسعى أغلبية ديمقراطية إلى تعزيز المساعدات، وتشديد الرقابة على تنفيذها، وتقييد قدرة الإدارة على تخفيف بعض العقوبات، بحسب ما تسمح به القوانين وما يمكن حشده من أصوات.في المقابل، يحتفظ الرئيس بدور واسع في إدارة العلاقات الخارجية والتفاوض وتحديد أولويات العمل الدبلوماسي. ومن هنا، يستطيع الكونغرس التأثير في أدوات السياسة الأميركية وكلفتها، لكنه لا يدير المفاوضات اليومية، ولا يستطيع وحده فرض تسوية على روسيا وأوكرانيا. وقد تنشأ حالة من التباين بين توجهات البيت الأبيض وما يسعى الكونغرس إلى دعمه أو حمايته تشريعياً.وتبقى المسألة الحاسمة هي حجم الأغلبية الديمقراطية ومدى استعداد نواب وشيوخ جمهوريين للانضمام إليها في ملفات محددة. فالأغلبية البسيطة تمنح السيطرة على جدول الأعمال واللجان، لكنها لا تكفي دائماً لتمرير التشريعات أو تجاوز اعتراض الرئيس. إذ تتطلب معظم التشريعات العادية، عند مواجهة تعطيل إجرائي في مجلس الشيوخ، ستين صوتاً لإنهائه، فيما يحتاج تجاوز الفيتو الرئاسي إلى أغلبية الثلثين من المصوّتين في كل مجلس.ولهذا، ستكون قدرة الديمقراطيين على منع تشريعات يريدها ترامب أكبر من قدرتهم على فرض سياسة بديلة يرفضها. أما التحول الفعلي في ملفات الحرب والعقوبات والمساعدات، فسيتوقف على قيام توافقات تتجاوز الانقسام الحزبي وتترجم إلى قوانين واعتمادات ملزمة.ومن منظور الأردن والمنطقة، ينبغي قراءة هذا الاحتمال بواقعية. فالقيود الداخلية على الرئيس الأميركي قد تفتح مجالاً أوسع للدبلوماسية، لكنها لا تعني بالضرورة انحسار الخطر العسكري أو تغير أهداف السياسة الأميركية. وقد تدفع صعوبة تحقيق إنجازات داخلية الرئيس إلى زيادة اعتماده على أدوات السياسة الخارجية، حيث يتمتع بهامش حركة أوسع نسبياً.إن انتقال مجلسَي الكونغرس إلى الديمقراطيين سيغيّر ميزان القوة داخل واشنطن، لكنه لن ينقل قرار السياسة الخارجية كاملاً من البيت الأبيض إلى الكونغرس. وسيظل الاختبار الحقيقي في قدرة الأغلبية الجديدة على تحويل الاعتراض السياسي إلى قيود قابلة للتنفيذ. أما دول المنطقة، فمصلحتها أن تبني تحركها على تفاهمات أميركية مؤسسية أوسع، وأن تدفع نحو تسويات تحمي أمنها ومصالح شعوبها، دون تعليق آمالها على نتائج الانتخابات الأميركية وحدها.
المصدر: عمون