إسرائيل تخسر أوراقها في واشنطن.. هل تتغير قواعد التحالف؟
ويضع هذا التزامن مستقبل التحالف الأميركي الإسرائيلي أمام أسئلة تتجاوز حجم المساعدات العسكرية، لتشمل تراجع الإجماع التقليدي بين الحزبين الأميركيين على دعم إسرائيل، وتصاعد الخلافات بشأن الحرب في غزة وإيران، ومستقبل النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسات السياسية في واشنطن. ورغم أن العلاقات العسكرية والاستخباراتية بين البلدين تقوم على مصالح واتفاقيات ممتدة منذ عقود، فإن نتائج الانتخابات أعادت إلى الواجهة سؤالاً كان يبدو مستبعداً قبل سنوات: هل يتحول الدعم الأميركي لإسرائيل من التزام استراتيجي يحظى بتوافق واسع إلى قضية خلافية تخضع لحسابات الأغلبية الحزبية؟. في يوم توجه الأميركيون فيه إلى صناديق الاقتراع، أعلن ترامب أنه توصل قبل أشهر إلى اتفاق مع نتنياهو يقضي بوقف المساعدات الأميركية السنوية لإسرائيل، التي تقترب قيمتها من 4 مليارات دولار، بنهاية عام 2026. وقال الرئيس الأميركي إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذه الأموال، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستواصل بيعها الأسلحة وتقديم المساعدة عند الضرورة. ويكتسب الإعلان أهمية استثنائية، لأنه يتعلق بأحد أكثر عناصر العلاقات الأميركية الإسرائيلية استقراراً منذ عقود. وبموجب مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016، التزمت واشنطن بتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، تشمل 33 مليار دولار من التمويل العسكري و5 مليارات دولار لبرامج الدفاع الصاروخي، وينتهي العمل بالمذكرة في سبتمبر 2028. ولم يوضح ترامب كيفية إنهاء المساعدات قبل انتهاء الاتفاق القائم، أو ما إذا كانت الخطوة ستحتاج إلى ترتيبات تشريعية جديدة. كما أن وقف المنح العسكرية لا يعني تلقائياً وقف مبيعات الأسلحة الأميركية لإسرائيل، أو إنهاء التعاون في مجالات الدفاع الصاروخي والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية. لكن الإعلان أثار انتقادات داخل إسرائيل، وسط مخاوف من تأثيره في التخطيط العسكري طويل الأجل، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية والحرب مع إيران. جاء إعلان ترامب بينما حقق الديمقراطيون مكاسب انتخابية واسعة، وانتزعوا السيطرة على مجلس الشيوخ، مع استمرار حسم النتائج النهائية لمجلس النواب. ويمنح تغير موازين القوى في الكونغرس الديمقراطيين قدرة أكبر على التأثير في السياسة الخارجية، ولا سيما عبر الرقابة على الإدارة الأميركية والتعيينات والموازنة والمساعدات الخارجية. لكن التحول الأهم بالنسبة لإسرائيل لا يرتبط فقط بعدد المقاعد التي انتقلت من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، وإنما بطبيعة المواقف السياسية للنواب والشيوخ الجدد، ومدى استعدادهم لمراجعة سياسة الدعم العسكري. فداخل الحزب الديمقراطي، لم يعد النقاش يقتصر على انتقاد بعض سياسات نتنياهو، بل امتد إلى المطالبة بفرض شروط على المساعدات الأميركية، أو تقييد استخدامها في العمليات العسكرية. وفي يوليو الماضي، أيد 103 نواب ديمقراطيين تعديلاً تشريعياً لوقف مساعدات لإسرائيل، في تصويت كشف حجم الانقسام داخل الحزب بشأن العلاقة مع تل أبيب. ورغم سقوط التعديل، فإن حجم التأييد الذي حصل عليه أظهر أن الاعتراض على المساعدات لم يعد محصوراً في مجموعة صغيرة من النواب التقدميين. لعقود، حرصت الحكومات الإسرائيلية على المحافظة على علاقات قوية مع الحزبين الأميركيين، لضمان استمرار الدعم العسكري والدبلوماسي بصرف النظر عن هوية الرئيس أو الأغلبية في الكونغرس. غير أن هذه المعادلة تعرضت لضغوط متزايدة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد الحرب في غزة وتصاعد الخلافات بين إدارة الرئيس السابق جو بايدن وحكومة نتنياهو. وتفاقمت هذه الضغوط مع اتساع الفجوة بين الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي والقيادات التقليدية التي ما زالت تؤيد استمرار التحالف الأمني مع إسرائيل. كما ساهم التقارب السياسي بين نتنياهو وترامب في تعزيز الانطباع لدى بعض الديمقراطيين بأن الحكومة الإسرائيلية أصبحت أكثر ارتباطاً بالجمهوريين. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الحزب الديمقراطي كتلة موحدة في موقفها من إسرائيل، إذ لا يزال عدد من قياداته ونوابه يؤيدون استمرار المساعدات والتعاون العسكري، مع الدعوة إلى تغيير السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وتكمن أهمية نتائج الانتخابات في أنها قد تمنح الأصوات المطالبة بمراجعة العلاقة مع إسرائيل حضوراً أكبر داخل المؤسسات التشريعية، بما ينعكس على النقاشات المتعلقة بالمساعدات وصفقات الأسلحة والرقابة على استخدامها. تأتي التحولات الأميركية في مرحلة إقليمية بالغة الحساسية، مع استمرار تداعيات الحرب مع إيران، والخلافات بشأن مستقبل غزة والضفة الغربية. وفي الملف الإيراني، يحتفظ الرئيس الأميركي بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والعمليات العسكرية، لكن الكونغرس يمتلك أدوات مهمة تتعلق بالتمويل والتشريع والرقابة. وقد يؤدي صعود الديمقراطيين إلى زيادة التدقيق في أي عمليات عسكرية جديدة، أو في حجم الدعم الأميركي المقدم لإسرائيل في مواجهة إيران. أما في الملف الفلسطيني، فتتجه الأنظار إلى قدرة الكونغرس الجديد على فرض نقاشات أكثر صرامة بشأن المساعدات العسكرية، والأوضاع الإنسانية في غزة، والسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول فوري في السياسة الأميركية، لكنه يفتح المجال أمام صراعات تشريعية وسياسية قد تجعل بعض القرارات المتعلقة بإسرائيل أكثر تعقيداً مما كانت عليه سابقاً. تمثل الانتخابات كذلك اختباراً لنفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك”، التي لعبت دوراً بارزاً في تمويل الحملات الانتخابية ودعم المرشحين المؤيدين للعلاقات الأميركية الإسرائيلية. وقد أصبحت المساعدات لإسرائيل إحدى القضايا التي شهدت خلافات حادة داخل الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، مع ظهور مرشحين ينتقدون دور جماعات الضغط ويرفضون تلقي دعمها المالي. لكن قياس التغير الفعلي في نفوذ هذه الجماعات يتطلب مقارنة نتائج المرشحين الذين دعمتهم أو عارضتهم، وحجم إنفاقها الانتخابي، ومدى انعكاس ذلك على مواقف أعضاء الكونغرس الجدد. كما أن تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياسات إسرائيل لا يعني بالضرورة تراجع قدرة جماعات الضغط على التأثير في التشريعات المتعلقة بأمنها. بالنسبة لنتنياهو، تأتي التطورات الأميركية في وقت يواجه فيه تحديات سياسية داخلية مرتبطة بتوازنات الحكم ومستقبل القيادة الإسرائيلية. وقد شكلت علاقته الوثيقة بترامب عنصراً مهماً في سياسته الخارجية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بإيران والتطبيع الإقليمي والدعم العسكري. لكن الإعلان عن إنهاء المساعدات، بالتزامن مع تغير موازين القوى في واشنطن، يضع الحكومة الإسرائيلية أمام ضرورة إعادة تقييم أدواتها للحفاظ على الدعم الأميركي. ويتمثل التحدي في المحافظة على العلاقة مع الإدارة الجمهورية، وفي الوقت نفسه تجنب اتساع الفجوة مع الديمقراطيين، الذين قد يعودون إلى البيت الأبيض في انتخابات 2028. لا تشير التطورات الحالية إلى نهاية التحالف الأميركي الإسرائيلي، الذي يستند إلى شبكة واسعة من التعاون العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي والمصالح الاستراتيجية. لكنها تكشف عن تحول في البيئة السياسية التي تحكم هذا التحالف داخل الولايات المتحدة. فإعلان ترامب بشأن المساعدات، والانقسام المتزايد داخل الحزب الديمقراطي، والمكاسب الانتخابية التي حققها معارضو سياسات الإدارة، جميعها عوامل قد تدفع العلاقة نحو مرحلة تتزايد فيها أهمية الشروط والرقابة والمساءلة. وتبدو المسألة الأكثر أهمية لإسرائيل مرتبطة بما سيحدث بعد ترامب، إذ قد تجد نفسها أمام إدارة أميركية مقبلة تتعامل مع المساعدات العسكرية والتعاون السياسي بمنطق مختلف عن التفاهمات التي حكمت العلاقة خلال العقود الماضية. وهكذا، فإن انتخابات 2026 لا تعني بالضرورة خسارة إسرائيل حليفها الأميركي، لكنها تفتح مرحلة جديدة يصبح فيها الحفاظ على الدعم التقليدي من الحزبين تحدياً سياسياً واستراتيجياً متزايداً.
المصدر: سكاي نيوز عربية